وبحسب مصادر دبلوماسية مطلعة، فإنّ طهران تبدو وكأنها تعيد تعريف مفهوم التفاوض، بعيداً عن الصورة التقليدية التي تفترض أن الجلوس إلى الطاولة يعني تعليق المواجهة، بحيث تظهر التحركات الأخيرة كامتداد مباشر لهذا المسار. إذ إن المفاوضات بالنسبة لإيران ليست منفصلة عن الصراع بل جزء من إدارته، تُستخدم، وفق المصادر، لتثبيت مكاسب مرحلية واستشراف جولات قادمة بشروط أكثر ملاءمة. ومن هنا يمكن فهم اختيار العواصم الثلاث، إذ لا يجمعها إطار واحد بقدر ما توحّدها أدوار متكاملة ضمن هندسة إيرانية دقيقة للمرحلة المقبلة.
في إسلام آباد، لا يقتصر الأمر على قناة تواصل دبلوماسية، بل يتجاوز ذلك إلى توظيف موقع باكستان كوسيط قادر على نقل الرسائل بشروط واضحة. إذ تسعى الدولة إلى ترسيخ حضورها الإقليمي وإثبات مكانتها من خلال هذا الدور، فيما تستفيد طهران من هذه القناة لطرح شروطها بصيغة غير مباشرة تضمن إيصالها من دون تقديم تنازلات شكلية قد تُظهرها بموقع ضعف. وبذلك تتحول الوساطة إلى أداة ضغط إضافية تتجاوز كونها مجرد جسر للحوار.
أما في مسقط، فتبدو الصورة أكثر حساسية وتعقيداً نظراً لارتباطها بملف بالغ الخطورة يتمثل في “مضيق هرمز”، الذي يشكّل اليوم ورقة مركزية في التوازنات الراهنة، حيث يندرج التنسيق مع سلطنة عُمان ضمن إدارة أحد أهم مفاتيح الاقتصاد العالمي حيث يتحول أمن الممرات البحرية إلى عنصر ضغط مباشر في أي معادلة تفاوضية. ومع تداخل الأمن العسكري مع أمن الطاقة، يفرض التحكم بإيقاع هذا المضيق نفسه كورقة لا تستطيع القوى الكبرى تجاوزها في حساباتها.
في المقابل، ترى المصادر أن محطة موسكو تحمل أبعاداً مختلفة تتصل بإعادة ترتيب العلاقة مع حليف قادر على التأثير في موازين القوة الميدانية. فالتقارب مع روسيا لا ينفصل عن احتمالات توسيع نطاق المواجهة، سواء عبر تطوير التعاون العسكري أو عبر توفير غطاء سياسي في المحافل الدولية. ومع تصاعد التوتر مع إدارة الرئيس دونالد ترامب، تبدو موسكو بالنسبة لطهران ركيزة توازن في مواجهة الضغوط الغربية، ورافعة محتملة لأي تصعيد محتمل.
ضمن هذا المشهد، تلفت المصادر إلى أنه لا يمكن فصل التفاوض عن منطق القوة، إذ إنّ الدول لا تجلس إلى طاولة حوار وهي مجرّدة من أدوات الضغط، بل تسعى إلى تنظيم أوراقها قبل أي انخراط جدي. وفي هذا الإطار تعتمد الولايات المتحدة منذ سنوات على أدوات الحصار واستهداف البنية التحتية، فيما تحاول إيران في المقابل تحويل هذه الضغوط إلى عناصر ارتداد عبر التلويح بخيارات تمسّ الاستقرار الإقليمي وأمن الطاقة العالمي. وهنا تحديداً تتبدّل قواعد اللعبة مع تحوّل التأثير في الأسواق العالمية وممرات النفط إلى عامل حاسم في موازين التفاوض.
بهذا المعنى، لا تبدو طهران في موقع المتلقي بل في موقع من يعيد توزيع الأوراق مستفيدة من موقعها الجغرافي وقدراتها العسكرية ومن شبكة علاقاتها الإقليمية والدولية، حيث يأتي التفاوض في هذا الإطار كجزء من عملية إعادة التموضع السياسي والعسكري تمهيداً لجولات قد تكون أكثر تعقيداً واتساعاً.
وفي ظل هذه المعادلة، يتراجع الحديث عن تسويات قريبة مقابل تصاعد مؤشرات الاستعداد لمرحلة جديدة تبنيها الأطراف على ما حققته من مكاسب في الجولة السابقة وتسعى من خلالها إلى فرض وقائع أكثر صلابة في المرحلة المقبلة، ما يدفع بالمشهد بعيداً عن أي تهدئة شاملة نحو إعادة تشكيل الصراع بأدوات مختلفة تختلط فيها الدبلوماسية بالقوة، بحيث يصبح التفاوض ساحة موازية للميدان تُدار من خلالها المواجهة بأساليب سياسية لا تقل تأثيراً عن الأدوات العسكرية.











اترك ردك