“حرية الحركة الإسرائيلية”… اتفاق أمني أم إدارة مفتوحة للحرب؟

تُشكّل مسألة “حرية الحركة” التي تصرّ إسرائيل على تضمينها في أي تفاهم محتمل مع لبنان أحد أكثر البنود حساسية وإثارة للجدل، ليس فقط لأنها تقنية أو عسكرية، بل لأنها تمس جوهر أي تسوية ممكنة على الجبهة الشمالية، وتعيد تعريف مفهوم وقف إطلاق النار نفسه.

ففي القراءة الإسرائيلية، لا يُنظر إلى أي اتفاق مع “حزب الله” أو مع لبنان بوصفه نهاية للصراع، بل كمرحلة جديدة من إدارة التهديد. ومن هنا، يأتي الإصرار على الاحتفاظ بحق العمل العسكري الأحادي، أي القدرة على تنفيذ ضربات استباقية أو عمليات دقيقة متى رأت تل أبيب أن هناك تهديدًا قائمًا أو متناميًا، سواء داخل الأراضي اللبنانية أو في محيطها الحدودي.
هذا التصور يعني عمليًا أن وقف إطلاق النار، في حال التوصل إليه، لن يكون وقفًا كاملًا للعمليات العسكرية، بل إطارًا مرنًا لإدارة الاشتباك، حيث تبقى إسرائيل في موقع “الطرف الذي يراقب ويحدّد ويضرب عند الحاجة”، فيما يُطلب من الطرف الآخر الالتزام بضبط السلوك الميداني ومنع أي نشاط يمكن تصنيفه تهديدًا.

وتشير مصادر متابعة إلى أن هذا الطرح يعكس تحولًا أعمق في العقيدة الأمنية الإسرائيلية بعد جولات المواجهة الأخيرة، حيث باتت تل أبيب تميل إلى تقليص هامش المفاجأة لدى خصومها عبر الجمع بين الردع التقليدي والعمل الاستباقي المستمر، بدلًا من الاعتماد على الرد المتأخر بعد وقوع التهديد.
في المقابل، ينظر لبنان الرسمي و”حزب الله” إلى هذا الشرط بوصفه مساسًا مباشرًا بمفهوم السيادة، إذ يعني عمليًا منح إسرائيل حق التدخل العسكري داخل الأراضي اللبنانية خارج أي إطار دولي أو تفويض أممي، ما يحوّل الاتفاق من صيغة توازن إلى صيغة تفوق غير متكافئ.
أما في البعد السياسي، فإن إصرار إسرائيل على حرية الحركة يعكس رغبتها في منع أي “تجميد كامل” للجبهة اللبنانية، بما يتيح لـ “حزب الله” إعادة بناء قدراته أو ترميم بنيته العسكرية خلال فترات الهدوء. لذلك، تسعى إلى إبقاء مستوى معين من الضغط العسكري والأمني، يضمن لها التدخل السريع عند الحاجة ويمنع تحول الهدنة إلى فرصة لإعادة التموضع.
وفي هذا السياق، يرى محللون أن هذا الشرط يعيد إنتاج نموذج “قواعد الاشتباك غير المتكافئة”، حيث لا يكون وقف إطلاق النار نهاية للصراع، بل انتقالًا إلى شكل أكثر تعقيدًا من المواجهة، تُدار فيه الحرب تحت سقف منخفض، لكنها تبقى قابلة للاشتعال في أي لحظة.
وعليه، فإن جوهر النقاش ليس حول تفاصيل تقنية في اتفاق محتمل، بل حول طبيعة المرحلة المقبلة نفسها. فهل نحن أمام تسوية تُنهي حالة الحرب تدريجيًا، أم أمام صيغة جديدة تُشرعن استمرارها بأدوات مختلفة؟
وفي ضوء المعطيات الحالية، يبدو أن “حرية الحركة” التي تطالب بها إسرائيل ليست بندًا ثانويًا، بل هي في الواقع حجر الأساس في مقاربتها الأمنية، والتي تقوم على مبدأ واضح، وهو أن لا وقف شاملًا للصراع، بل إدارة دائمة له وفق ميزان قوة متحرك.