من الجريمة إلى الضرر
لم تكن المشكلة في القوانين الإعلامية القائمة مقتصرة على قدمها قياسًا إلى التحولات التي شهدها القطاع. فالمسار الجزائي الذي حكم جانبًا أساسيًا من قضايا النشر جعل النزاع حول محتوى صحافي قابلًا لأن يتحول إلى ملاحقة واستدعاء وتحقيق وتوقيف، في وقت اتجهت فيه المعايير الحديثة إلى التعامل مع الضرر الذي يسببه النشر باعتباره، في الأصل، نزاعًا بين طرفين يُعالج بالتعويض والتصحيح عندما تثبت المسؤولية.
يتسع الإصلاح أيضًا إلى قضايا تراكمت خارج القوانين القديمة، من حماية سرية المصادر إلى تنظيم الإعلام الرقمي وشفافية الملكية والتمويل واستقلال الجهة الناظمة. لذلك لا تبدو المادة 104 تفصيلًا معزولًا داخل نص تقني طويل، لأن أهميتها تُقاس بما تخالفه من فلسفة المشروع نفسه. فكلما كان الانتقال من الجزائي إلى المدني أكثر وضوحًا في بقية القانون، أصبح الاستثناء الذي يعيد الحبس أكثر حاجة إلى تعريف وضبط.
الاستثناء الذي يعيد السؤال القديم
المشكلة تبدأ عند الانتقال من هذا الهدف إلى صياغة الجريمة نفسها. فالنص لا يضع تعريفًا دقيقًا لـ”المعلومات المضللة” أو “الأخبار الكاذبة” أو وصفها بأنها “خبيثة”، ولا يرسم حدودًا واضحة تفصل الخطأ الصحافي أو التحليل أو الرأي أو المعلومة الناقصة عن الاختلاق الذي يستوجب العقوبة الجزائية. وبغياب هذه الحدود، تنتقل مهمة تفسير المفاهيم إلى النيابات العامة والقضاة عند تقديم الشكاوى، فتعود المؤسسات نفسها التي أراد القانون الحد من تدخلها في قضايا النشر إلى قلب النزاع متى أُعطي المحتوى توصيف “المعلومة المضللة”.
لهذا يتركز اعتراض المنظمات المعنية بحرية الصحافة على الفقرة نفسها أكثر مما يستهدف القانون بكامله. فالاعتراض لا يقوم على إنكار حق الدولة في تجريم التحريض المباشر أو الأفعال التي تسبب ضررًا محددًا، وإنما على إنشاء جريمة واسعة تستند إلى أوصاف يصعب ضبطها مسبقًا. ومن هنا أيضًا تأتي الدعوة إلى حذف الفقرة أو إعادة صياغتها بصورة تربط أي استثناء جزائي بضرر واضح ومحدد، بدل جعل عدم صحة المعلومة في ذاته مدخلًا إلى الملاحقة والحبس.
أي قانون سيخرج من المجلس؟
لا تختصر المسألة بمواجهة بين حرية الإعلام ومكافحة الأخبار الكاذبة، وإنما بنوع المسؤولية التي يريد القانون تكريسها وحدود الاستثناء منها. فالإبقاء على المادة 104 بصيغتها الواسعة يعني أن قانونًا أمضى سنوات في إخراج نزاعات النشر من المجال الجزائي سيحتفظ بباب يمكن أن يعيدها إليه، فيما سيحدد تعديل هذه الفقرة أو حذفها ما إذا كان الانتقال إلى المسؤولية المدنية قد اكتمل فعلًا أم بقي منقوصًا.












اترك ردك