وبحسب Ars Technica، يعرف العلماء منذ سنوات أن كثيراً من البشر اليوم يحملون في جيناتهم نسباً صغيرة من الحمض النووي العائد إلى النياندرتال، بمتوسط يقارب 2 في المئة في عدد من المجموعات السكانية، إضافة إلى آثار من الدينيسوفان لدى بعض الشعوب.
لكن هذه القصة لم تكن يوماً بسيطة. فالنسبة الصغيرة من DNA النياندرتال لا تعني أن كل شخص يحمل المقاطع نفسها. ومع توسع قواعد البيانات الجينية، بدأ الباحثون يلاحظون إشارات غريبة في الجينوم البشري لا يمكن تفسيرها دائماً بالنياندرتال أو الدينيسوفان.
الدراسة الجديدة، التي نفذها فريق بحثي مرتبط إلى حد كبير بجامعة Berkeley، استخدمت أدوات تحليل جيني حديثة للبحث عن جواب لسؤال جديد: هل توجد في جيناتنا آثار من سلالة بشرية أخرى لم نكتشفها بعد؟
والنتيجة، وفق التقرير، هي وجود دليل على ما يسمى “سلالة شبحية”، أي سلالة قديمة تزاوج معها أسلاف البشر، لكن العلماء لا يملكون حتى الآن جينوماً مباشراً لها كما هو الحال مع النياندرتال والدينيسوفان.
اعتمد الباحثون على تقنية تحليلية تُعرف باسم خرائط إعادة التركيب السلفية، وهي محاولة حاسوبية لإعادة بناء تاريخ مقاطع الحمض النووي داخل الجينوم: متى ظهرت، كيف انتقلت، ومتى تعرضت لإعادة خلط عبر الأجيال.
الفكرة الأساسية أن أي DNA جاء من سلالة مختلفة يجب أن يحمل علامتين في الوقت نفسه. من جهة، يبدو “قديماً” لأنه لا يحمل كل التغيرات التي تراكمت في سلالة الإنسان الحديث خلال فترة الانفصال. ومن جهة أخرى، يبدو “حديثاً” نسبياً من حيث عدد عمليات إعادة التركيب، لأنه دخل إلى جينوم الإنسان لاحقاً، ولم يمضِ داخله الوقت نفسه الذي قضته المقاطع الأصلية.
ولتحديد هذه المقاطع، طور الفريق أداة برمجية باسم TRACE. وقبل استخدامها للبحث عن شيء جديد، اختبرها الباحثون على مقاطع النياندرتال والدينيسوفان المعروفة مسبقاً. وتمكنت الأداة من التقاطها بدقة عالية، مع معدل خطأ منخفض جداً.
وعند تطبيقها على نحو 500 جينوم بشري حديث، عثرت الأداة على المقاطع المتوقعة من النياندرتال والدينيسوفان، لكنها كشفت أيضاً وجود كمية صغيرة من DNA لا تنتمي إلى أي من السلالتين المعروفين.
هذه البصمة الجينية الشبحية تشكل بين 0.5 و1.1 في المئة من جينومات البشر الحاليين. ورغم أن النسبة تبدو صغيرة، فإن المقاطع المكتشفة تغطي مجتمعة نحو 1.5 مليار قاعدة جينية، علماً أن الجينوم البشري الكامل يضم نحو 3 مليارات قاعدة.
الأهم أن هذه البصمة موجودة في جميع المجموعات البشرية الحديثة، ما يعني أن التزاوج مع هذه السلالة حدث على الأرجح قبل خروج الإنسان الحديث من أفريقيا. لكن المجموعات الأفريقية تحمل مقاطع أكثر تنوعاً، وبعضها لا يظهر لدى غير الأفارقة، وهو ما ينسجم مع فكرة أن جزءاً من التنوع الجيني فُقد عندما غادرت مجموعة محدودة من البشر القارة وانتشرت في أوراسيا.
ويقدّر الباحثون أن هذه السلالة الشبحية انفصلت عن خط الإنسان الحديث قبل أكثر من 800 ألف عام، أي في فترة قريبة من الانفصال عن السلالة التي قادت لاحقاً إلى النياندرتال والدينيسوفان.
كما أن المقاطع الشبحية الموجودة في جينوم الإنسان الحديث أقصر في المتوسط من مقاطع النياندرتال والدينيسوفان، ما يدل على أنها دخلت جينومنا في وقت أقدم، وبقيت داخله فترة أطول قبل انتشار الإنسان خارج أفريقيا.
وتطرح الدراسة أيضاً نقطة لافتة. فهناك مناطق في الجينوم البشري تُعرف بأنها شبه خالية من DNA النياندرتال والدينيسوفان، ما دفع العلماء سابقاً إلى الاعتقاد بأن هذه المناطق لا تتحمل وجود اختلافات جينية كبيرة. لكن DNA السلالة الشبحية يظهر في بعض هذه المناطق، ما يعني أن المشكلة قد تكون مرتبطة تحديداً بمقاطع النياندرتال والدينيسوفان، لا بأي DNA قديم بشكل عام.
ولم يتوقف الباحثون عند هذه السلالة فقط. فقد بحثوا أيضاً عن آثار سلالة أقدم بكثير، يعتقد أنها دخلت إلى جينوم الدينيسوفان قبل أن تنتقل نسبة صغيرة منها إلى البشر المعاصرين عبر التزاوج اللاحق مع الدينيسوفان.
هذه السلالة وُصفت بأنها “فائقة القِدم”، وقد تكون مرتبطة بـHomo erectus أو بسلف بشري قديم آخر. وتشير النتائج إلى أن جزءاً ضئيلاً جداً منها وصل إلى بعض البشر الحاليين، خصوصاً في أوقيانوسيا وجنوب شرق آسيا، حيث توجد نسب أعلى من DNA الدينيسوفان.
ووفق الدراسة، يمكن تتبع نحو 0.3 في المئة فقط من DNA الدينيسوفان في جينومات سكان أوقيانوسيا إلى هذه السلالة الفائقة القِدم، التي يُعتقد أنها انفصلت عن خطنا البشري قبل نحو 1.8 مليون سنة.
ولا تقدم الدراسة جواباً واضحاً حول أهمية هذه المقاطع القديمة. فهي أقل حضوراً قرب الجينات، لكن بعض الجينات القريبة منها ترتبط بعمليات الأيض ووظائف المناعة. ومع ذلك، لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت هذه المتغيرات الجينية القديمة قد منحت الإنسان أي ميزة تكيفية.












اترك ردك