صيف مزدحم في بلد مرهق.. كيف يصرف اللبناني رغم التقشف؟

رغم الضيق الاقتصادي الذي يضغط على يوميات اللبنانيين، لا تبدو روزنامة تموز فارغة. بالعكس، تكشف حركة الحفلات والنشاطات أن جزءاً من السوق الترفيهية لا يزال يعمل بوتيرة واضحة، من السهرات الموسيقية في بيروت، إلى السباقات الرياضية في مختلف المناطق اللبنانية، وصولاً إلى عروض وحفلات تستهدف شرائح مختلفة من الجمهور.

لكن السؤال الأبرز ليس عن كثافة الحفلات، بل عن قدرة الناس على الدفع. كيف يشتري اللبناني تذكرة في بلد يعيش فيه جزء كبير من العائلات على ميزانيات مضغوطة؟ وكيف يوازن بين فاتورة المولّد، والمدرسة، والطبابة، وبين سهرة أو حفلة أو نشاط في نهاية الأسبوع؟
الجواب لا يأتي من فكرة أن اللبناني يعيش بلا أزمة. الواقع مختلف. فكثيرون باتوا بحسبون فاتورة الترفيه بشكل دقيق، وهناك من يختار حفلة واحدة في الشهر بدل أكثر، ومن يشتري التذكرة الأرخص، ومن يفضّل الخروج ضمن مجموعة لتقاسم كلفة النقل والطعام. وهناك أيضاً شريحة تعتمد على تحويلات من الخارج أو مداخيل بالدولار، ما يجعلها أكثر قدرة على المشاركة في هذا النوع من النشاطات.
في المقابل، تحاول شركات التنظيم أن توازن بين الكلفة والسعر. فالحفلة لم تعد بسيطة من ناحية الإنتاج. هناك أجور فنانين وفرق تقنية، صوت وإضاءة، تصاريح، أمن، تأمين، تسويق، ونسبة لمنصات بيع التذاكر. ومع ارتفاع الكلفة التشغيلية، يصبح تخفيض السعر صعباً، إلا إذا جرى تقليل حجم الإنتاج أو الاعتماد على رعاة أو بيع فئات مختلفة من التذاكر.
في هذا السياق يقول المخرج ومتعهّد الحفلات حسام شرف الدين، في حديث لـ”لبنان24″ إن السوق “ليست مرتاحة كما تبدو من الخارج”، موضحاً أن وجود حفلات كثيرة لا يعني بالضرورة أن الأرباح كبيرة. ويشرح أن “الجمهور لا يزال يخرج، لكنه صار ينتقي أكثر. لم يعد يدفع بسهولة. يسأل عن السعر، والمكان، ومن سيغني، وما إذا كانت التجربة تستحق. لذلك أصبحت الحفلة الناجحة هي التي تقدّم قيمة واضحة مقابل التذكرة”.

ويضيف أن “المنظمين يلاحظون تغيّراً في طريقة الشراء. قبل سنوات كان الحجز المبكر أسهل. اليوم كثيرون ينتظرون الأيام الأخيرة، ويقول إن الجمهور الشاب لا يزال المحرك الأكبر للحفلات، لكن العائلات أيضاً تبحث عن نشاطات نهارية أو رياضية أو موسيقية أخف كلفة من السهرات الكبيرة.
هذه الصورة تفسر لماذا يتحول تموز إلى شهر مزدحم رغم الأزمة. فالصيف في لبنان ليس مجرد موسم ترفيهي، بل مساحة اقتصادية كاملة. الحفلة تحرّك مطعماً، وفندقاً، وسائق تاكسي، ومصوراً، وشركة صوت، ومنصة تذاكر، ومدينة ساحلية بأكملها أحياناً. لذلك، عندما تنشط الروزنامة، لا يستفيد الفنان أو المنظم وحده، بل تدور حوله حلقة صغيرة من الاقتصاد المحلي.