فبينما يُفترض بحرية الرأي والتعبير أن تكون الركيزة الأساسية للمجتمعات الديمقراطية والشرط الأول لكرامة الإنسان وتطوره، حوّلتها المنصات الرقمية وبعض الشاشات اليوم إلى ساحات مشحونة بالتخوين، وبث الأحقاد، والإلغاء الممنهج.
وصحيح ان الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (المادة 19) عرف حرية الرأي والتعبير بأنها “حق كل شخص في اعتناق الآراء من دون مضايقة”.
وصحيح ان مقولة الكاتب والفيلسوف فولتير الشهيرة “قد أختلف معك في الرأي، ولكني مستعد للموت دفاعاً عن حقك في قوله” تلخص قبول التعددية وحق الاختلاف بالرأي كشرط لوجود حرية رأي الآخر، إلا أن الفيلسوف مونتسكيو، قد وضع الضابط الأخلاقي الحاسم والعابر للزمان والمكان بمقولته الشهيرة:”تنتهي حريتك عندما تبدأ حرية الآخرين”.
بناءً على ذلك، اجمعت التعريفات العالمية لحرية التعبير على خطوط حمراء استثنت ممارسات عدة تُخرج الحرية من مضمونها، كخطاب الكراهية، التحريض على العنف أو التمييز ضد جماعة معينة بسبب الدين، العرق، الانتماء …
قاموس الفتنة بكل أشكالها
هذه الخطوط الحمراء تُستباح اليوم في لبنان بأخطر الطرق، وعلى مختلف الجبهات الإعلامية والرقمية. فوفقاً لرصدٍ دقيق قام به “لبنان٢٤”، اتخذ خطاب الكراهية في ظلال هذه الحرب الدائرة، أشكالاً بنيوية خطيرة، بلغت حدّ التخوين المباشر، والتحريض العلني الذي يهدد ما تبقى من سلم أهلي. وأبرز تجليات هذا الخطاب تمثلت في استخدام عبارات تُمعن في تظهير الانقسام، منها: “نحن وانتوا” و”خدمة أجندة العدو” ووصم الآخرين بـ “صهاينة الداخل”،”عملاء” “كل البلاء منهم” “جماعة السفارات” وصولاً إلى فرز مجتمعي ومناطقي في لحظة اوامر اخلاء ونزوح، يعكسه شعار “ما منأجر إلا مسيحية”، “النزوح المسلح” أو لغة الاستعلاء في مقولة “كنتوا تخوّنونا واليوم عم تلتجئوا إلنا”.
وتقابل هذه السرديات بشعارات تهديد وجودية للمرحلة الحالية وما بعدها، مثل “سترحلون ونبقى” و”الحساب بعد الحرب”، “سنسقط الحكومة” “يلي مش عاجبوا يفل”، والأمثلة على ذلك كثيرة.
والأخطر من ذلك، أن هذه الحرب النفسية واللفظية لم تكتفِ بالكلمة المنطوقة، بل استغلت أدوات العصر، حيث ترافقت حملات التخوين والتحريض مع فبركة صور ومقاطع فيديو وتصاميم بصرية مستوحاة من تقنيات الذكاء الاصطناعي، صُممت خصيصاً لاستهداف الدولة برؤسائها، وامتدت لتطال رجال الدين ، بهدف تعميق الانقسام وتهديد النسيج الوطني.
قضايا مصيرية عمّقت الانقسام
خلف هذا المشهد المأزوم، تقرأ الاختصاصيّة في علم الاجتماع الدكتورة مي مارون عبر “لبنان٢٤” واقعاً لبنانياً يعيش فصلاً من فصول تاريخه المثقل بالحروب، لكنه الأكثر قساوة وضراوة لجهة حجم الموت، الدمار، والتهديم الممنهج.
ترى مارون أن المقاربة السائدة تتجاوز مفهوم “حرية التعبير” لتدخل في نفق “تفلت التعبير”؛ فبينما تحمل كلمة “الحرية” في طياتها دلالة إيجابية ومسؤولة، فإن ما نشهده اليوم يبتعد كل البعد عن الإيجابية، متجسداً في انفلات كامل وغياب مطبق للوعي والضوابط. لقد فقد الفرد قدرته على كبح جماح سلوكه الكلامي، مما حوّل هذا التفلت إلى تهديد مباشر ومخيف للسلم الأهلي.
وتضيف: ” تاريخياً، لم تكن الحروب التي شنتها إسرائيل على لبنان مجرد مواجهات عسكرية، بل كانت دائماً شرارة لتأجيج انقسامات حادة وتعميق الفجوات بين اللبنانيين. واليوم، يتجلى هذا الانقسام بأبهى وجوهه وأكثرها عمقاً حول قضايا وجودية ومصيرية، لعل أبرزها: حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية، قرار الحرب والسلم، دور المقاومة وجدواها في المعادلة الوطنية، خيار المفاوضات ومدى الفائدة المرجوة منه.
وتلفت الى ان هذا الانقسام الحاد، تفشى ليحتل الشاشات وبرامج الحوار ونشرات الأخبار، وامتد بقوة إلى المنصات الرقمية؛ حيث تحول الجميع فجأة إلى “مؤثرين” يصرّون على فرض آرائهم بشتى الطرق. وقد أنتج هذا الواقع مشهداً هجيناً مشحوناً بـ “تعابير انفعالية تحركها الغرائز والنعرات بدلاً من العقل والمنطق، وإهانات وشتائم مبتذلة تفتقر إلى الحد الأدنى من الضوابط الأخلاقية، المهنية، والقانونية.”
وتشدد على أن لبنان اليوم يقف في عين العاصفة وفي قلب الحرب، فبدلاً من خطابٍ عقلاني يوحّد المجتمع ويحميه في لحظاته المصيرية، يتصاعد خطاب يؤجّج الفتنة ويعمّق الشرخ بين أبناء الوطن الواحد.
وعن دور الإعلام بوصفه “السلطة الرابعة”، ترى مارون، أن مسؤولية المؤسسات الإعلامية اليوم يجب أن تكون تربوية وتوجيهية بالدرجة الأولى، من هنا، من الضروري إخضاع البرامج، التقارير، المقابلات، وتغطية الأخبار لأخلاقيات مهنية صارمة لا تساهل فيها. وتقول: إن حتمية استعادة الضوابط الأخلاقية والقانونية، سواء للإعلام التقليدي والحديث أو لما يُنشر على وسائل التواصل الاجتماعي، بات ضرورة قصوى لإنقاذ ما تبقى من النسيج الاجتماعي اللبناني الذي يترنح اليوم تحت وطأة الحرب والانقسام.
لحظة سقوط “حرية التعبير”
أما المسؤول الإعلامي في مؤسسة سمير قصير، جاد شحرور، فيرى في حديثه لـ “لبنان ٢٤”، أن التباين الحاد في آراء الناس ليس سوى مرآة تعكس واقع المجتمع اللبناني، الذي يعيش انقساماً عمودياً متوارثاً عبر الأجيال منذ أيام الحرب الأهلية. ومع أن الاختلاف في الرأي يمثل ظاهرة صحية وطبيعية، إلا أن “الاحترام المتبادل” يجب أن يظل الأساس الثابت والقاعدة الحاكمة لأي حوار.
ويشدد شحرور، على ان أي خطاب يتضمن كراهية، أو تحريضاً، أو إلغاءً للآخر، تسقط عنه فوراً صفة “حرية التعبير”، ليتحول إلى جريمة اجتماعية وأخلاقية موصوفة.
ويرى شحرور أن للمؤسسات الإعلامية دوراً محورياً في توجيه الرأي العام، ما يفرض عليها الالتزام بضوابط مهنية واضحة تحول دون انزلاقها إلى خطاب التحريض والانقسام. ويضع خطاً فاصلاً بين مساحات الرأي والمادة الإخبارية، فمثلاً، مقالات الرأي، تُعنى بالتحليلات الخاصة ووجهات النظر الشخصية التي تحتمل الاختلاف والتنوع.
اما المادة الإخبارية والبرامجية، وتشمل نشرات الأخبار، التقارير، التحقيقات، والبرامج السياسية والحوارية، وهي تنطلق غالباً من مؤسسات إعلامية يُفترض بها أن تراعي المعايير الأخلاقية والمهنية الصارمة، وألا تتحول إلى منصات لتأجيج الفتن أو صبّ الزيت على نار الانقسام المتوارث.
إن الحق في رفض أفكار ومبادئ الآخر، وخياراته السياسية أو الوجودية، هو أمر مشروع، لكنه لا يعطي الحق لأي طرف بممارسة الاستعلاء او إلغاء وجود الآخر أو وصمه بالتخوين والعمالة. العيش المشترك لا يعني انصهار الجميع في رأي واحد، بل يفرض الاحترام المتبادل كأرضية ثابتة. وبغير ذلك، “على الحرية السلام”.











اترك ردك