“فجر اليمن” تختبر التنسيق في الميدان
لعلّ أبرز مؤشّرات تفعيل حلف مكّة، يكمن في التطوّرات الميدانية خلال الأيّام القليلة الماضية، مع إعلان تحالف دعم الشرعية في اليمن، بقيادة السعودية، تنفيذ عملية عسكريّة نوعيّة، استهدفت منشآت لتخزين الوقود ومواقع حيوية في صنعاء والحديدة وذمار، يستخدمها الحوثيّون لدعم قدراتهم العسكريّة.وترافقت هذه التطوّرات مع اعتراض التحالف صواريخ باليستية استهدفت المملكة، ما يضع التصدّي للتهديدات الصاروخية والجوية في صلب مجالات التعاون الدفاعي المحتملة بين الدول الثلاث.
وتمنح هذه التطوّرات الحلف بُعدًا عمليًّا يتجاوز التنسيق السياسي، إذ تضع حماية الأراضي السعوديّة ومنشآتها الحيويّة والتصدّي للصواريخ الباليستيّة والطائرات المسيّرة في صلب أولويّاته. كما تكشف هذه العمليّات عن تداخل الأبعاد الدفاعيّة واللوجستيّة في المواجهة، وتُبرز أهميّة التكامل بين قدرات أطراف الحلف. فالسعوديّة، بحكم موقعها في المواجهة وامتلاكها قدرات جويّة ودفاعيّة، تبقى الطرف الأساسي في حماية أراضيها ومنشآتها الحيويّة، إلى جانب استمرار دعمها للحكومة اليمنيّة ضمن تحالف دعم الشرعيّة. أمّا تركيا، فتملك خبرات متقدّمة في الصناعات الدفاعيّة والطائرات المسيّرة، فيما تتمتّع باكستان بقدرات جويّة وصاروخيّة وعسكريّة واسعة. ومن شأن التكامل بين هذه الإمكانات، إذا تُرجم إلى تنسيق عمليّ، أن يوسّع مجالات التعاون في الدفاع الجوّي، وتبادل المعلومات والخبرات، وتعزيز الجاهزيّة للتعامل مع التهديدات المتنوّعة.
لكنّ ترجمة هذه الإمكانات إلى تعاون فعلي تبقى مرتبطة بطبيعة المساندة التي ستقدّمها أنقرة وإسلام آباد وحدودها. وفي هذا السياق، أكّد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أنّ بلاده لن ترسل قوات لمحاربة الحوثيّين في اليمن، مشدّدًا على الطابع الدفاعي للاتفاق. أمّا باكستان، فيستند تعاونها العسكري مع السعودية إلى علاقات ممتدّة تشمل التدريب والتنسيق الدفاعي. وبذلك، لا يتمثّل الاختبار في مشاركة الدول الثلاث مباشرةً في العمليات داخل اليمن، بل في مدى ترجمة التزاماتها إلى تنسيق دفاعي فعلي يعزّز قدرة السعودية على مواجهة الصواريخ والمسيّرات.
تهديدات الحوثيّين وراء تسريع تفعيل الحلف
لا تنفصل هذه التطوّرات الميدانيّة عن الحسابات الأمنيّة التي دفعت نحو تعزيز التعاون الدفاعي بين السعوديّة وباكستان وتركيا. وفي قراءته لخلفيّات الحلف، يربط العميد المتقاعد الدكتور عادل مشموشي، في حديث لـ “لبنان 24″تصاعد التهديدات التي تواجه المملكة بدور إيران والجماعات الحليفة لها، معتبرًا أنّ الاتفاق “لم يأتِ من عبث”، بل نتيجة الانتهاكات التي أقدم عليها الحوثيّون. ويرى أنّ طهران توظّف الحوثيّين لتوسيع نفوذها الإقليمي، واستخدام موقعهم الجغرافي للضغط على دول المنطقة. ويرى مشموشي أنّ توظيف الحوثيّين للضغط على الملاحة في مضيق باب المندب يوسّع نطاق المخاطر من المستوى الإقليمي إلى المستوى الدولي، نظرًا إلى أهميّة هذا الممرّ للتجارة العالميّة ونقل الطاقة ” ومن هذا المنطلق، تكتسب المساندة الدفاعيّة للسعوديّة أهميّة تتجاوز التصدّي لهجمات منفردة، لتشمل تعزيز قدرتها على مواجهة التهديدات العابرة للحدود وحماية مصالحها الاستراتيجيّة”.
ولا يحصر مشموشي دوافع تشكيل الحلف في الاعتبارات الأمنيّة والملاحيّة، بل يربطها أيضًا بتنامي استياء دول إسلاميّة من الدور الإيراني في زعزعة استقرار دول عدّة. ويضيف إلى ذلك حساسيّة الاعتداءات التي طاولت مكّة المكرّمة والمدينة المنوّرة، بما تحمله المدينتان من رمزيّة دينيّة لدى المسلمين، معتبرًا أنّ تراكم هذه العوامل قد يدفع نحو تبنّي مقاربات أكثر تشدّدًا في ظلّ تراجع الثقة بجدوى أنصاف الحلول مع إيران.
حدود المواجهة وتداخل الحسابات الدوليّة
في تقييمه للتحدّيات التي تواجه الاتفاق، يرى مشموشي أنّ احتواء إيران يظلّ صعبًا في ظلّ نهجها الإيديولوجي، معتبرًا أنّ “من الصعب ترويض النظام الإيراني أو تدجينه” وأنّ طهران لن تتخلّى بسهولة عن مشروعها الصاروخي، ولا سيّما الصواريخ بعيدة المدى والطائرات المسيّرة، فضلًا عن توظيف الممرّات البحريّة أداةً للضغط. ويحذّر من أنّ تهديد الملاحة البحريّة يتجاوز تداعياته الإقليميّة، ليمسّ قواعد القانون الدولي وأمن التجارة والطاقة عالميًّا. ويشدّد مشموشي على أنّ أيّ مقاربة إقليميّة جدّيّة ينبغي ألّا تقتصر على المواجهة العسكريّة، بل أن تشمل أيضًا الحدّ من تدخّل إيران في شؤون الدول الأخرى عبر الجماعات المسلّحة. ويربط مشموشي هذه التحدّيات بتشابك الحسابات الإقليميّة والدوليّة، إذ يرى أنّ الدعم الروسي والصيني لإيران، وإن لم يتّخذ بالضرورة شكل تدخّل عسكري مباشر، يوسّع أبعاد المواجهة ويضعها ضمن سياق التنافس على شكل النظام الدولي، بين سعي واشنطن إلى الحفاظ على موقعها المهيمن، وتوجّه موسكو وبكين نحو تكريس نظام متعدّد الأقطاب.
بالمحصّلة، تمثّل عملية “فجر اليمن” اختبارًا يتجاوز الميدان اليمني إلى مستقبل حلف مكّة نفسه، في ظلّ اتّساع رقعة التهديدات وتشابك الحسابات الإقليميّة والدوليّة. فبينما تسعى الرياض إلى تحصين أمنها وتعزيز قدرتها على الردع، تتّجه الأنظار إلى طبيعة المساندة التي ستقدّمها أنقرة وإسلام آباد فعليًّا، في ظلّ مؤشّرات إلى أنّ المواجهة قد تطول. ويبقى مدى تحوّل التنسيق الدفاعي إلى تعاون عملي في مواجهة الصواريخ والمسيّرات وتهديدات الملاحة عاملًا أساسيًّا في تحديد فاعليّة الحلف.











اترك ردك