لا تكمن المشكلة الإنسانية في لبنان اليوم في أرقام النزوح وحدها، بل في ما لا تقوله هذه الأرقام. فبين مراكز الإيواء، وحركة العائلات نحو المناطق الأكثر أماناً، وتقارير المساعدات، تبقى فئة واسعة خارج الصورة ألا وهم السكان الذين لم يغادروا المناطق المتضررة من النزاع، إما لأنهم غير قادرين على النزوح، أو لأنهم لا يملكون كلفة الانتقال، أو لأنهم مرتبطون بكبار سنّ ومرضى وأطفال، أو لأنهم اختاروا البقاء لحماية المنازل والأرزاق.
هذه الفئة لا تظهر غالباً في واجهة الاستجابة الإنسانية، لأن معظم آليات التدخل تركّز على النازحين المسجلين أو الموجودين في مراكز الإيواء. لكن في الجنوب والنبطية والبقاع، هناك عائلات باقية في بلدات متضررة أو قريبة من خطوط الخطر، تعيش بين انقطاع الخدمات، صعوبة الوصول إلى الطبابة، تراجع القدرة على شراء المواد الأساسية، والخوف الدائم من توسع الاستهداف.
وتُظهر المعطيات الإنسانية الأخيرة حجم الضغط العام على لبنان، إذ أطلقت الأمم المتحدة نداءً طارئاً بقيمة 308.3 مليون دولار لتقديم مساعدات منقذة للحياة وحماية لما يصل إلى مليون شخص بين آذار وأيار 2026. كما تحدثت تقارير أممية عن استمرار نزوح أكثر من مليون شخص، بينهم أكثر من 124 ألفاً في 625 مركز إيواء جماعي، فيما تبقى الغالبية خارج هذه المراكز. لكن الأخطر أن التقارير نفسها بدأت تشير إلى فجوة أقل ظهوراً، فأعداد غير محددة من الناس لا تزال داخل المناطق المتأثرة بالنزاع، غير قادرة أو غير راغبة في المغادرة بسبب عوائق مادية، أو نقص الموارد، أو مسؤوليات الرعاية. وهذا يعني أن جزءاً من الفئات الأكثر هشاشة قد يكون خارج شبكات الرصد والمساعدة، لا لأنه أقل حاجة، بل لأنه أقل قدرة على الوصول إلى الجهات التي تحصي وتوزّع وتتابع.
وبحسب متابعين للملف الإغاثي، فإن المرحلة المقبلة لا تحتاج فقط إلى إحصاء النازحين، بل إلى مسح ميداني معاكس يرتكز على: من بقي؟ لماذا بقي؟ ما حاجاته؟ وهل يستطيع الوصول إلى الخدمات؟ فغياب هذه الأسئلة يجعل الاستجابة ناقصة، ويحوّل فئة كاملة إلى هامش إنساني داخل الحرب.
بهذا المعنى، تكشف الحرب في لبنان عن طبقة جديدة من الأزمة، ليسوا فقط نازحين يبحثون عن مأوى، بل مقيمون عالقون في أماكن الخطر، يعيشون خارج الضوء، وخارج الأرقام، وأحياناً خارج الاستجابة. وهذه الفئة قد تكون الاختبار الأصعب لأي خطة إنسانية جدية في المرحلة المقبلة.











اترك ردك