قوارير الحرب تُشعل الأسعار… اللبنانيون يدفعون كلفة الاستبدال

لم تنتهِ تداعيات الحرب عند حدود الدمار الذي أصاب المنازل والمؤسسات والبنى التحتية، بل امتدت إلى تفاصيل الحياة اليومية للبنانيين، وآخرها سوق الغاز المنزلي. فالقرار برفع سعر قارورة الغاز بنحو 10%، بهدف تمويل استبدال القوارير المتضررة، فتح باباً جديداً للنقاش بين من يعتبره ضرورة تتعلق بالسلامة العامة، ومن يراه عبئاً إضافياً يُلقى على كاهل المواطنين في ظل الأزمة الاقتصادية.

وأقرت وزارة الطاقة والمياه رسماً إضافياً على قوارير الغاز المنزلية تحت بند “بدل استبدال قوارير الغاز المعدنية”، ما أدى إلى زيادة تقارب 10% على سعر القارورة زنة 10 كيلوغرامات، على أن تُخصص الإيرادات لتمويل استبدال القوارير التي تضررت أو فقدت خلال الحرب.
وبحسب المعنيين بالقطاع، فإن الحرب خلفت أعداداً كبيرة من قوارير الغاز المتضررة، سواء نتيجة القصف المباشر أو بقائها تحت ركام المباني المهدمة، ولا تزال عمليات إزالة الأنقاض تكشف المزيد منها، لا سيما في الجنوب والضاحية الجنوبية والبقاع. ويؤكد أصحاب القطاع أن استمرار استخدام هذه القوارير قد يشكل خطراً على السلامة العامة بسبب احتمال تعرضها لتشققات أو أضرار غير ظاهرة.
وتشير التقديرات التي سبق أن أعلنها ممثلو القطاع إلى أن مئات آلاف، وربما نحو مليون قارورة بأحجام مختلفة، تحتاج إلى الاستبدال أو الفحص الفني قبل إعادة استخدامها، وهو ما يتطلب تمويلاً كبيراً لا تستطيع الشركات أو الدولة تحمله منفردتين.
تشير مصادر في قطاع الغاز في حديث لـ”لبنان 24″ الى أن الزيادة ليست مرتبطة بسعر الغاز المستورد أو بتقلبات الأسواق العالمية، بل هي مساهمة مخصصة لإنشاء صندوق يمول عملية استبدال القوارير المتضررة بأخرى جديدة وآمنة. وتؤكد النقابة أن الأموال المحصلة ستُستخدم حصراً لهذا الغرض، في إطار خطة تمتد على مراحل بحسب حجم الأضرار التي تُكشف تباعا.

وبحسب القرار، أضيف رسم جديد إلى الرسوم السابقة المفروضة على القطاع، ما انعكس مباشرة على السعر النهائي الذي يدفعه المستهلك عند شراء قارورة الغاز.

بين السلامة والقدرة الشرائية

ورغم اقتناع كثيرين بضرورة استبدال القوارير المتضررة حفاظاً على السلامة العامة، فإن توقيت القرار أثار انتقادات في ظل الضغوط المعيشية التي يرزح تحتها اللبنانيون. فالغاز المنزلي يعد من المواد الأساسية في كل منزل، وأي زيادة في سعره تنعكس مباشرة على ميزانيات الأسر، كما تمتد آثارها إلى المطاعم والأفران والمؤسسات التجارية التي تعتمد عليه في نشاطها اليومي.

ويرى خبراء اقتصاديون أن نقل كلفة معالجة آثار الحرب إلى المستهلكين، ولو لأسباب تتعلق بالسلامة، يطرح تساؤلات حول دور الدولة في تأمين التمويل لإعادة الإعمار ومعالجة الأضرار، خصوصاً أن المواطنين تحملوا خلال السنوات الماضية سلسلة متواصلة من الزيادات على مختلف السلع والخدمات.

يبقى نجاح القرار مرتبطاً بمدى شفافية إدارة الأموال المحصلة وسرعة تنفيذ عمليات الاستبدال، بحيث تتحقق الغاية الأساسية المتمثلة في إزالة القوارير غير الآمنة من الأسواق، من دون أن يتحول الرسم الجديد إلى عبء دائم على المستهلك.

وفي بلد لا تزال فيه الحرب ترخي بثقلها على الاقتصاد، يبدو أن فاتورة إعادة الإعمار لا تقتصر على الجسور والمباني، بل تمتد أيضاً إلى أبسط الاحتياجات اليومية، ومنها قارورة الغاز التي دخلت بدورها حسابات كلفة ما بعد الحرب.