وبحسب الصحيفة: “قالت نيكول غراجيفسكي، استاذة في مركز الدراسات الدولية في معهد العلوم السياسية في فرنسا ومتحصصة في السياسة الخارجية الإيرانية: “إيران تتمتع بميزة واضحة هنا، أما الولايات المتحدة فهي في حالة من التخبط حالياً”. قد يبدو هذا مفاجئاً للوهلة الأولى، فالولايات المتحدة تمتلك أقوى جيش في العالم، بينما إيران، وهي قوة إقليمية، لا تمتلك جيشاً مماثلاً؛ لكن الحروب لا تُخاض بمعزل عن الآخرين. وقال دان سوبلمان، الأستاذ في الجامعة العبرية في القدس والذي يدرس استراتيجيات الردع الإيرانية، إن إيران استخدمت أسلوباً يسميه علماء نظرية الألعاب “الإكراه المثلثي” لتحقيق ميزة على خصمها الأقوى بكثير. وتعتمد هذه الاستراتيجية على مهاجمة طرف ثالث أكثر ضعفاً يتمتع ببعض النفوذ على الخصم لتحقيق ميزة على خصم لا يمكن التغلب عليه بشكل مباشر”.
وتابعت الصحيفة: “في هذه الحالة، كانت الأطراف الثالثة في المقام الأول دول الخليج، التي تُعتبر ذات أهمية اقتصادية للولايات المتحدة؛ وقد نجحت هجمات إيران عليها في بداية الحرب، إلى جانب قدرتها على إغلاق المضيق بشكل فعال، في إحباط نصر حاسم للولايات المتحدة وإسرائيل حتى الآن. إنها استراتيجية قد يكون لها آثار طويلة المدى ليس فقط على نتيجة الصراع الحالي ودور إيران في الشرق الأوسط، ولكن أيضًا على حدود قوة الولايات المتحدة في أماكن أخرى”.
وبحسب الصحيفة: “بدأت إيران بممارسة الضغط على دول الخليج بعد وقت قصير من بدء الحرب في 28 شباط، وذلك بإطلاق النار على السفن التي تمر عبر مضيق هرمز، مما أدى فعلياً إلى إغلاق الممر المائي الضيق الذي يمر عبره 20 بالمائة من نفط العالم، لكن اللحظة الحاسمة التي تبلورت فيها استراتيجية إيران القائمة على الإكراه الثلاثي جاءت بعد حوالي أسبوعين ونصف الاسبوع. ففي 18 آذار، قصفت إسرائيل حقل الغاز الطبيعي جنوب فارس الإيراني، وردت إيران بقصف رأس لفان، وهو منشأة رئيسية للغاز الطبيعي المسال في قطر، وتنفيذ هجمات بطائرات من دون طيار على مصافي النفط في المملكة العربية السعودية والكويت. وقال سوبلمان إن هذا الرد الانتقامي “أدخل معادلة. فإذا استهدفت إسرائيل أو الولايات المتحدة منشآت الطاقة الإيرانية، فإن إيران ستستهدف منشآت الطاقة في الخليج”.”
وتابعت الصحيفة: “في غضون ساعات، كتب ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي أن الهجوم الإسرائيلي لم يكن منسقًا مع الولايات المتحدة، وأنه لن تكون هناك هجمات أخرى من جانب إسرائيل على مضيق فارس الجنوبي طالما أوقفت إيران ضرباتها على قطر. في الواقع، شكل ذلك نقطة تحول في الحرب؛ ورغم استمرار تبادل الهجمات بين الجانبين، بدا أن هناك حدًا أقصى للتصعيد. وقال سوبلمان: “تتمتع الولايات المتحدة وإسرائيل بحصانة نسبية ضد الهجمات العسكرية المباشرة، لكن دول الخليج مثل قطر والإمارات العربية المتحدة أكثر عرضة للخطر بكثير. وقد حققت إيران نجاحاً من خلال استغلال جيرانها الضعفاء ضد حليفها الأقوى”.”
وأضافت الصحيفة: “تسبب قصف إيران لمنشآت الطاقة في ارتفاع أسعار النفط إلى أعلى مستوى لها منذ بدء الحرب، مما أوضح أن المزيد من التصعيد سيؤدي إلى تكاليف اقتصادية للولايات المتحدة أيضاً. وقالت غراجيفسكي إن ذلك لم يكن كافياً لإنهاء الصراع، ولكنه أدخل “الردع أثناء الحرب”، مما منح إيران نفوذاً كبيراً. وفي غضون أيام، أعلن ترامب أن الولايات المتحدة وإيران تتفاوضان. وفي 8 نيسان، اتفق الجانبان على وقف إطلاق النار، على الرغم من بقاء المضيق مغلقاً”.
وبحسب الصحيفة: “لقد أدى استخدام إيران لهذه الاستراتيجية إلى تحويل جزء كبير من تركيز الحرب إلى السؤال الحاسم حول كيفية إعادة فتح المضيق وكيفية الحد من النفوذ الإيراني عليه في المستقبل؛ وقد باءت الجهود المبذولة للضغط على إيران لإعادة فتح الممر المائي الحيوي بالفشل. وفي نيسان، فرضت الولايات المتحدة حصارًا على المضيق، متعهدةً بإبقائه قائمًا حتى تتوصل إيران والولايات المتحدة إلى اتفاق سلام دائم. وقد شكّلت هذه الخطوة ضغطاً كبيراً على إيران، التي تحتاج أيضاً إلى عائدات من صادرات النفط، والتي ستنفد في نهاية المطاف مساحة التخزين المتاحة لديها للنفط الذي تنتجه. لكن المضيق ظل مغلقاً. وفي الثالث من أيار، أعلن ترامب عن “مشروع الحرية”، وهي عملية أميركية لتوجيه السفن العالقة في المضيق، لكنه تراجع بعد أيام قليلة، تاركًا أكثر من ألف سفينة عالقة. وقال سوبلمان: “أعتقد أن هذا يُظهر بوضوح قدرة إيران على كبح جماح الولايات المتحدة وردعها”.”
وتابعت الصحيفة: “يقول الخبراء إنه مع استمرار الوضع، أصبح من المرجح أن تسعى إيران إلى الحفاظ على سيطرة جزئية على الأقل على الممر المائي. وقالت نيتيا لاب، وهي زميلة في الأمن الدولي في تشاتام هاوس، وهي مؤسسة بحثية مقرها لندن: “كلما طالت مدة قدرة إيران على احتجاز الشحن كرهائن، كلما أصبح من الصحيح أن إيران ستحتاج إلى أن تكون طرفاً معنياً ومستفيداً شرعياً من إعادة فتح المضيق”. هذا يعني أن إيران، رغم الأضرار الجسيمة التي لحقت بها جراء الحرب، من المرجح أن تخرج منها بميزة جديدة قيّمة؛ فالسيطرة، ولو جزئياً، على المضيق لن تكون مجرد مصدر دخل للنظام، بل ستشكل أيضاً قوة جيوسياسية. وقالت غراجيفسكي إن قدرة إيران على إغلاق المضيق مرة أخرى ستكون بمثابة “بوليصة تأمين” ضد الهجمات المستقبلية”.
وختمت الصحيفة: “يشير هذا السيناريو إلى ضعف أوسع وربما أكثر ديمومة في السياسة الخارجية لترامب: فالولايات المتحدة، على الرغم من قوتها، قد لا تكون محصنة ضد الانتقام كما يبدو أن فريق ترامب قد افترض في كثير من الأحيان. لن تكون كل الدول مستعدة أو قادرة على استخدام الإكراه الثلاثي ضد قوة عظمى معادية بنفس الطريقة، ولكن بعد تجربة إيران، قد تحاول دول أخرى ذلك”.












اترك ردك