يبدو البلد وكأنه يُدفع مجدداً إلى حافة اختبار قاسٍ. فما شهدته الساعات الماضية من سجال فجّره محتوى إعلامي، سرعان ما كشف عمق التوتر الكامن تحت السطح، ومدى قابلية الشارع للاشتعال عند أي تماسّ مع الرموز الدينية أو الهويات الحساسة. فجاءت الاتصالات المكثّفة بين المرجعيات الدينية والروحية والسياسية لاحتواء تداعيات مشهدٍ كاد ينزلق نحو ما هو أخطر، حيث جرى التشديد على ضبط الخطاب وتهدئة النفوس.
ما حصل لا يمكن عزله عن المناخ العام المشحون، إذ تتقاطع الضغوط الأمنية في الجنوب مع احتقان داخلي قابل للاستثمار أو الانفجار.
أما جنوباً، فإن التطورات الأخيرة، من توسيع دائرة القصف إلى تعميم إنذارات الإخلاء، لا يمكن قراءتها بمعزل عن السياق الإسرائيلي الأوسع، ولا عن الرسائل التي تحملها في توقيتها وأهدافها. فما يجري، بحسب أوساط سياسية، هو محاولة واضحة لفرض وقائع جديدة عبر الضغط بالنار والنزوح، في ظل تعثر المساعي الدبلوماسية، وفي مقدّمها اللقاء الذي لن يُعقد قريباً بين الرئيس العماد جوزاف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي.
وتشدّد الأوساط على أن بعبدا متمسكة، بأولوية وقف الحرب، وانسحاب القوات الإسرائيلية، وعودة النازحين، قبل الانخراط في أي لقاء. إلا أن هذه الأولويات، على مشروعيتها، تصطدم بواقع إسرائيلي، علماً أن أوساطاً دبلوماسية تشير إلى أن لبنان يمكنه التحصّن بموقف عربي وإقليمي وأوروبي في ملف التفاوض مع إسرائيل، لا سيما المواقف الفرنسية والسعودية والمصرية والتركية. فالقاعدة البديهية التي يفترض أن تكون من دون أي لبس، هي أن لا تفاوض جدياً يمكن أن ينطلق قبل تثبيت وقف إطلاق النار، فيما القفز فوق هذه الخطوة التأسيسية لا يعني سوى الدوران في حلقة مفرغة.
في موازاة ذلك، تبقى الأنظار مشدودة إلى الخارج، وتحديداً إلى أي حراك محتمل بين طهران وواشنطن عبر الوسيط الباكستاني. فالرهان على هذه المسارات يبقى أولوية، بحسب مصدر سياسي، إذ إن أي تبدّل في العلاقة بين الطرفين ينعكس حكماً على ساحات الاشتباك في المنطقة، ومن بينها لبنان.
إلى ذلك، عقد قائد الجيش العماد رودولف هيكل ورئيس لجنة الإشراف على اتفاق وقف الأعمال العدائية (الميكانيزم)، الجنرال الأميركي جوزيف كليرفيلد، اجتماعاً استثنائياً في قاعدة بيروت الجوية. وجاء الاجتماع نتيجة زيارة سريعة قام بها كليرفيلد، حيث تناول الوضع الأمني في لبنان والتطورات الإقليمية، وسبل الاستفادة القصوى من «الميكانيزم» وتطوير عملها. وقد تم التأكيد خلاله على أهمية دور الجيش وضرورة دعمه في ظل المرحلة الحالية، قبل أن يغادر كليرفيلد الأراضي اللبنانية.
في المقابل، أفادت القناة 15 الإسرائيلية بأن اجتماع “الكابينت” سيبحث ما وصفته بـ”خروقات حزب الله” واستمرار إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة نحو إسرائيل.
وتشير التحليلات الإسرائيلية إلى أن المُسيّرات الانقضاضية تحوّلت إلى عامل ميداني ضاغط يفرض تحدياً حقيقياً رغم بساطته، إذ تعيد، بكلفتها المنخفضة ومرونتها العالية، رسم معادلات المواجهة عبر قدرتها على إرباك الخصم وفرض واقع جديد.











اترك ردك