وفي هذا السياق، يكشف مصدر دبلوماسي أن “حزب الله” لا ينظر إلى خصومه في الداخل باعتبارهم قوة قادرة، بإمكاناتها الذاتية، على فرض تحولات جذرية في موازين القوى، بل يرى أن الجزء الأكبر من اندفاعهم السياسي يستند إلى الرهان على نتائج المواجهة الأميركية الإيرانية والضغوط الإسرائيلية المتواصلة. وبحسب المصدر، فإن المشكلة بالنسبة إلى هؤلاء لا تكمن في غياب الحضور السياسي أو الشعبي، وإنما في افتقارهم إلى القدرة على ترجمة مواقفهم إلى وقائع حاسمة من دون الاستناد إلى متغيرات خارجية تمنحهم هامشاً أوسع للتحرك.
ويشير المصدر إلى أن “الحزب” لا يجد نفسه مضطراً إلى الدخول في سجالات أو مواجهات مفتوحة مع قوى يعتقد أن حساباتها السياسية ستتأثر تلقائياً بأي تبدّل في المشهد الإقليمي، فإذا انتهت المواجهة إلى تسوية تحفظ لإيران موقعها ونفوذها، أو إلى نتيجة تعجز معها واشنطن عن تحقيق الأهداف التي دخلت الحرب من أجلها، فإن القوى اللبنانية التي راهنت على إضعاف طهران وحلفائها ستجد نفسها أمام واقع مختلف عن ذلك الذي بنت عليه مواقفها.
غير أن الحديث عن هزيمة أميركية محتملة لا يرتبط بموازين القوة العسكرية وحدها، بل بمدى قدرة واشنطن على ترجمة تفوقها العسكري إلى مكاسب سياسية. فامتلاك القدرة على توجيه ضربات عسكرية لا يعني بالضرورة القدرة على إخضاع الخصم وإعادة تشكيل موقعه الإقليمي. وإذا انتهت المواجهة باعتراف متبادل بضرورة التفاوض، من دون تحقيق الأهداف الأميركية القصوى، فإن ذلك سيمنح طهران وحلفاءها مجالاً لتقديم النتيجة باعتبارها فشلاً لسياسة الضغط العسكري.
ولعل تجربة «مذكرة التفاهم» الإيرانية – الأميركية التي أُبرمت في حزيران الماضي تشكل مثالاً على حساسية الارتباط بين المسارين الإقليمي واللبناني. فقد جاءت المذكرة بعد مواجهة عسكرية واسعة، وفتحت الباب أمام وقف العمليات والتفاوض على ملفات شائكة، من بينها العقوبات والبرنامج النووي والترتيبات الأمنية، مع إدراج الجبهة اللبنانية ضمن تفاهمات وقف الحرب. وعلى الرغم من أن المذكرة لم تكن اتفاقاً نهائياً يحسم جميع الخلافات، فإن مجرد الانتقال من المواجهة العسكرية إلى التفاوض أظهر أن المسار الإقليمي قد يسلك اتجاهاً مغايراً للتوقعات التي رافقت اندلاع الحرب.
أما على الساحة اللبنانية، فقد أعادت تلك التطورات طرح مسألة الرهانات السياسية التي ربطت مستقبل “حزب الله” بنتائج الضغط على إيران. فالقوى التي اعتبرت أن المواجهة ستؤدي إلى تقليص النفوذ الإيراني وجدت نفسها أمام تفاهم يعيد طهران إلى طاولة التفاوض بوصفها طرفاً أساسياً في رسم ترتيبات المرحلة التالية. وعلى الرغم من أن ذلك لم يؤدِّ إلى إنهاء الخلاف اللبناني بشأن سلاح “الحزب” أو دوره، لكنه أظهر حدود الرهان على أن الحسم العسكري الخارجي سيؤدي تلقائياً إلى حسم سياسي داخلي.
غير أن حسابات “الحزب” لا تتوقف، وفق المصدر نفسه، عند حدود خصومه اللبنانيين. فهناك رهان آخر يتعلّق بإمكان تبدل علاقاته مع بعض القوى الإقليمية، ولا سيما في المحيط السني، حيث تبدو تركيا وسوريا حاضرتين في الحسابات المتعلقة بالمرحلة المقبلة.
وتبرز أهمية هذا الرهان في ضوء التحولات التي شهدتها سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد، وما رافقها من تبدّل في طبيعة العلاقات والتحالفات. فالعلاقة بين “حزب الله” والسلطة السورية الجديدة محكومة، وفق المصدر، بإرث ثقيل من المواجهة وانعدام الثقة، إلا أن ذلك لا يلغي احتمال نشوء تفاهمات أمنية أو سياسية محدودة تفرضها المصالح المتبادلة. وقد عكست التقارير التي تحدثت عن اتصالات بين ممثلين عن “الحزب” ومسؤولين سوريين بوساطة تركية، رغم نفي دمشق حصول اللقاءات، وجود نقاش إقليمي حول إمكان احتواء التوتر ومنع تحوله إلى مواجهة جديدة.
ولا يُفهم الرهان على التقارب هنا باعتباره توقّعاً لتحالف وشيك مع دمشق أو أنقرة، وإنما باعتباره احتمالاً لتطور العلاقات من منطق الخصومة المفتوحة إلى منطق تنظيم الخلافات. فتركيا، التي تتمتع بحضور مؤثر في المشهد السوري، تملك مصلحة في تجنّب انتقال التوترات إلى لبنان، فيما قد تجد السلطة السورية نفسها معنية بضبط حدودها الغربية وتجنب الانخراط في صراعات إضافية. أما “حزب الله”، فإن تخفيف حدة التوتر مع محيطه الإقليمي يمنحه هامشاً سياسياً وأمنياً أوسع في مرحلة ما بعد الحرب.
هنا يصبح تجنّب الصدام الداخلي أكثر من مجرد قرار مرتبط بالتهدئة اللبنانية. فـ”الحزب”، بحسب المصدر، لا يريد أن يُستدرج إلى مواجهة قد تتّخذ طابعاً طائفياً، أو أن يتحول خلافه مع بعض القوى المسيحية إلى اشتباك يعيد إنتاج اصطفافات مذهبية أوسع. ذلك أن أي توتر من هذا النوع قد ينعكس سلباً على فرص التقارب مع القوى السنية، ويمنح الأطراف الإقليمية المتحفظة على الانفتاح عليه أسباباً إضافية للإبقاء على القطيعة.
لذلك، فإن امتناعه عن الرد على بعض الاستفزازات السياسية لا يعني بالضرورة تراجعاً عن مواقفه، بل قد يعكس إدراكاً بأن الانجرار إلى مواجهة داخلية سيمنح خصومه فرصة لنقل الصراع من مستوى الحسابات السياسية إلى مستوى الانقسامات الأهلية، في وقت يسعى فيه إلى إبقاء خياراته مفتوحة أمام التحولات الإقليمية.
أما في ما يتعلق بمستقبل إيران، فيذهب المصدر إلى اعتبار أن سيناريو الهزيمة الذي جرى التعويل عليه في بداية الحرب أصبح، وفق تقديره، خلف طهران. ويستند هذا التقييم إلى أن المواجهة لم تؤدِّ إلى انهيار النظام الإيراني أو إنهاء قدرته على التأثير في المعادلات الإقليمية، رغم الضربات القاسية التي تعرّض لها. فاستمرار مؤسسات الحكم، وبقاء القدرة على التفاوض، وعدم تحقّق هدف إخضاع إيران بالكامل، كلها عوامل تجعل الحديث عن هزيمة نهائية أمراً مختلفاً عن تقييم حجم الخسائر العسكرية والاقتصادية التي تكبّدتها.
لكن تجاوز خطر الهزيمة الشاملة لا يعني بالضرورة تحقيق انتصار سياسي مكتمل، لأن نتائج الحرب ستبقى مرتبطة بشروط التسوية ومدى قدرة الأطراف على تثبيت مكاسبها أو الحد من خسائرها. وهنا تكمن أهمية التوقيت بالنسبة إلى “حزب الله”، الذي يبدو غير مستعجل لخوض مواجهة داخلية قبل اتّضاح الصورة النهائية للصراع الإقليمي.
وبذلك، فإن الهدوء الذي يسعى “الحزب” إلى المحافظة عليه لا يمكن فصله عن تقديره لموازين القوى المقبلة. فهو لا يرى ضرورة لاستنزاف نفسه في مواجهة مع خصوم يعتقد أن رهاناتهم الخارجية قد تتراجع، ولا مصلحة في إغلاق أبواب التقارب الإقليمي قبل اختبار فرصه، ولا سبباً لاستباق نتائج حرب يعتبر أن أخطر سيناريوهاتها بالنسبة إلى إيران قد انحسرت.
في المحصلة، تقوم حسابات “حزب الله”، على ترك نتائج المواجهة الإقليمية تعيد ترتيب الأوراق اللبنانية، بدلاً من الدخول في صراع داخلي قد يبدد ما يأمل تحقيقه سياسياً بعد انتهاء الحرب.










اترك ردك