مؤتمر باريس … هل تنتهي مرحلة “المساعدات” وتبدأ مرحلة “تمكين الجيش”؟

قد يكون من السهل التعامل مع مؤتمر دعم الجيش المرتقب في باريس في 16 و17 أيلول على أنه مؤتمر جديد لتقديم المساعدات إلى المؤسسة العسكرية، كما حصل في مؤتمرات سابقة. لكن ما يجري هذه المرة يبدو مختلفاً، ليس فقط بسبب مستوى الحضور السياسي المنتظر، مع مشاركة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الجمهورية جوزاف عون والملك الأردني عبدالله الثاني وممثلين عن دول عربية وأوروبية وصديقة، بل لأن المؤتمر يأتي في لحظة تتغير فيها وظيفة الجيش نفسها، وتتزامن مع اقتراب نهاية مهمة “اليونيفيل” ومع البحث الدولي عن صيغة أمنية جديدة للجنوب.


هذه المرة لا يكفي أن يحصل الجيش على آليات وذخائر وقطع غيار أو مساعدات مالية متفرقة. المطلوب، إذا كانت هناك فعلاً إرادة دولية لنقل مسؤولية الأمن تدريجياً إلى الدولة اللبنانية، هو بناء مؤسسة عسكرية قادرة على تنفيذ هذه المهمة. والفارق بين الأمرين كبير جداً.

فالجيش الذي يُطلب منه أن ينتشر أكثر، وأن يمسك الحدود، وأن يعزز حضوره في الجنوب، وأن يواجه التهريب، وأن يتولى مسؤوليات أمنية كانت تقوم بها قوة دولية، يحتاج إلى قدرات تتناسب مع حجم المهمة. لا يمكن أن يُطلب منه أن يكون أقوى مؤسسة أمنية في البلاد، ثم يُترك يتلقى المساعدات بحسب الظروف، أو ينتظر في كل أزمة مؤتمراً دولياً جديداً للحصول على ما يحتاج إليه.

ومن هنا يفترض أن يكون مؤتمر باريس مناسبة للانتقال من مفهوم “دعم الجيش” إلى مفهوم “تمكين الجيش”. والتمكين يعني خطة واضحة لسنوات، لا لأشهر، وتحديد حاجات المؤسسة العسكرية وفق أولوياتها الفعلية، وتحويل المساعدات إلى قدرات مستدامة في التدريب والصيانة والاستطلاع والاتصالات واللوجستيات وأمن الحدود والقدرة على الانتشار والاستمرار في المهمة.

وهنا تصبح الرسالة التي يُفترض أن يحملها قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى باريس شديدة الأهمية، وهي أن الجيش لا يريد أن يكون صندوق بريد للمساعدات، بل شريكاً في تحديد احتياجاته وفي بناء قدراته.

لكن ثمة جانباً آخر لا يمكن تجاهله. فالحديث الأوروبي عن إعداد مهمة لتدريب الجيش في مجالي أمن الحدود والأمن البحري يكشف أن أوروبا بدأت تنظر إلى الجيش باعتباره جزءاً من معادلة أمنية تتجاوز الحدود الجنوبية. وهذا يعني أن المطلوب منه في المرحلة المقبلة لن يكون فقط ضبط الجنوب، وإنما الإمساك بمفاصل الأمن الوطني على الحدود البرية والبحرية أيضاً.

وبذلك يصبح الجيش أمام مهمة ثلاثية الأبعاد: حدود يجب حمايتها، جنوب يجب تثبيت الاستقرار فيه، ودولة يجب أن تستعيد احتكارها الفعلي للقرار الأمني.

وهنا تبدأ المسألة السياسية. فلا يمكن بناء جيش قوي بالمعنى العملاني إذا بقيت الدولة نفسها عاجزة عن اتخاذ القرارات التي تسمح له بممارسة صلاحياته كاملة. قد يحصل الجيش على أفضل المعدات والتدريب، لكن قدرته على استخدامها تبقى مرتبطة بالقرار السياسي وبمدى استعداد القوى اللبنانية لفتح الطريق أمامه للقيام بالمهمات التي يُطلب منه القيام بها.

وهذا ما يجعل مؤتمر باريس اختباراً للبنان بقدر ما هو اختبار للمجتمع الدولي. فالدول المانحة تستطيع أن تقدم الأموال والتجهيزات والتدريب، لكنها لا تستطيع أن تتخذ بالنيابة عن اللبنانيين القرار السياسي الذي يجعل الجيش صاحب اليد العليا في الأمن. فإذا أراد لبنان أن يكون الجيش هو المؤسسة التي تتولى حماية الحدود وضبط الأمن وفرض سيادة الدولة، فعليه أن يوفر له الغطاء السياسي الكامل.

لذلك، فإن الحديث عن “حصر السلاح” لا يمكن فصله عن مستقبل الجيش. فالدعم الدولي لا يبدو موجهاً فقط إلى إبقاء المؤسسة العسكرية موجودة، بل إلى جعلها الأداة الأساسية للدولة في تنفيذ قراراتها الأمنية والسيادية.

فإذا كانت المرحلة المقبلة ستشهد إعادة صياغة للوجود الدولي في الجنوب، فإن نجاح هذه الصيغة سيتوقف إلى حد كبير على قدرة الجيش على ملء المساحة التي يمكن أن تتركها “اليونيفيل”. وإذا كان المطلوب أيضاً تعزيز أمن الحدود ومنع التهريب وضبط الساحل، فإن الجيش سيجد نفسه أمام مسؤوليات تتطلب إمكانات أكبر بكثير من تلك التي يمتلكها حالياً.

ولهذا فإن أسوأ ما يمكن أن يحصل هو أن ينتهي مؤتمر باريس ببيان سياسي منمق ومجموعة وعود مالية، ثم تعود الأمور إلى ما كانت عليه بعد أشهر.

لبنان لا يحتاج إلى مؤتمر جديد ليقال إن الجيش “مؤسسة وطنية”. هذه الحقيقة معروفة. ما يحتاج إليه هو خطة دولية – لبنانية لتحويل هذه المؤسسة من مؤسسة تحظى بالثقة إلى مؤسسة تمتلك القدرة.