مؤقت يتحول إلى دائم… ولبنان “رهينة”

قد يكون الخطأ في قراءة المشهد اللبناني اليوم هو التعامل مع الجمود بوصفه مرحلة مؤقتة تسبق واحداً من احتمالين: الحرب أو الاتفاق.
 
ما يجري يوحي بشيء مختلف تماماً، الجمود نفسه بدأ يتحول إلى صيغة قائمة بذاتها؛ صيغة لا تحل المشكلة، لكنها تؤجل انفجارها، ولا تنهي الحرب، لكنها تخفّض كلفتها على اللاعبين الأساسيين. وحده لبنان، وخصوصاً الجنوب، يدفع ثمن هذا الانتظار المفتوح.

 
من هنا نسأل، لماذا لا تتقدم المفاوضات؟ وهل بات عدم التقدم مريحاً، ولو مؤقتاً، لمعظم الأطراف؟
 
إسرائيل، على سبيل المثال، لا تحتاج في الوضع الحالي إلى الاختيار بين احتلال واسع وبين انسحاب كامل، فهي تحتفظ بوجودها العسكري في أجزاء من الجنوب، وتواصل حرية الحركة والضرب والاستهداف، فيما تربط أي انسحاب بتقدم ملف سلاح حزب الله. وفي 13 آب، أعاد وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس تثبيت هذه المعادلة صراحة، عندما ربط الانسحاب بنزع سلاح الحزب.

 
بالنسبة إلى إسرائيل، تمنح هذه الحالة الجيش مساحة عسكرية واسعة من دون تحمّل كلفة حرب شاملة جديدة.
وفي المقابل، فإن استمرار الاحتلال والضربات يمنح حزب الله حجته الأقوى في مواجهة مطلب نزع السلاح: كيف يمكن البحث في السلاح فيما القوات الإسرائيلية موجودة داخل الأراضي اللبنانية؟
 
أي أن الأمر يشبه دائرة مغلقة، إسرائيل تقول إنها لن تنسحب قبل نزع السلاح، والحزب يقول إن السلاح لا يمكن بحثه قبل الانسحاب.
وبين الشرطين، يمر الوقت.وهنا ربما تكمن الزاوية الأهم في كل ما يحصل: الوقت لم يعد مجرد نتيجة للجمود، بل أصبح جزءاً من المعركة نفسها.
 
فمفاوضات روما الأخيرة لم تنتج اختراقاً حقيقياً في مسألة الانسحاب أو وقف العمليات العسكرية، فيما تشير المعطيات إلى أن جولة جديدة لن تعقد قبل أيلول، مع تقديرات بأن الجمود قد يمتد إلى الانتخابات الإسرائيلية في 27 تشرين الأول، وربما إلى ما بعد انتخابات التجديد النصفي الأميركية في تشرين الثاني.
بمعنى آخر، أصبح لبنان ينتظر روزنامات الآخرين، ينتظر الانتخابات الإسرائيلية، وينتظر الحسابات الأميركية، وينتظر المسار الإيراني، وينتظر ما إذا كانت المناطق التجريبية ستنجح، وينتظر قراراً إسرائيلياً بشأن الانسحاب، وينتظر تفاهمات حول آلية التحقق.
 
لكن هناك مشكلة أساسية في سياسة الانتظار هذه: الميدان لا ينتظر.
 
في الخامس من آب مثلاً، وبينما كانت المفاوضات منعقدة في روما، أصدرت إسرائيل أمراً بالإخلاء في بلدة المنصوري وبدأت تنفيذ ضربات في الجنوب.  وفي 15 آب، أدت غارات إسرائيلية إلى استشهاد 11 شخصاً، بينهم أطفال، في واحدة من أكثر الحوادث دموية منذ بدء الهدنة قبل نحو شهرين.
 
هذه هي المفارقة اللبنانية الجديدة، المفاوضات مستمرة، لكن الحرب مستمرة معها، والجيش ينتشر في مناطق، بينما تبقى مناطق أخرى خارج قدرته على الوصول الطبيعي إليها، والناس يعودون إلى بعض القرى، بينما لا يستطيع آخرون معرفة إن كانت عودتهم ممكنة أصلاً، والدولة تتحدث عن مرحلة ما بعد الحرب، فيما الحرب نفسها لم تحصل بعد على خاتمة واضحة.
 
وهذا أخطر من مجرد جمود سياسي، لأنه، مع مرور الوقت، قد يتحول المؤقت إلى دائم.
 
المنطقة الأمنية التي يفترض أن تكون مرتبطة بمرحلة تفاوضية قد تصبح واقعاً جغرافياً مألوفاً، القرى التي لا يعود أهلها إليها قد تدخل عاماً جديدًا من النزوح، المنازل التي لا تُعمّر الآن قد يصبح إعمارها أكثر تعقيداً لاحقاً.
وما يبدأ كتدبير عسكري مؤقت قد يتحول تدريجياً إلى أمر واقع يحتاج إلى مفاوضات جديدة لتغييره.
وتكشف التحقيقات الأخيرة حجم هذا الخطر، فقد وثقت تقارير دماراً واسعاً في بلدات الجنوب، شمل آلاف المنازل والبنى التحتية والأراضي الزراعية، في وقت لا يزال فيه عدد كبير من السكان عاجزاً عن العودة الطبيعية إلى مناطقه.
 
لذلك، ليست المشكلة الحقيقية أن لبنان يقف على حافة الحرب، ربما المشكلة أكثر تعقيداً: لبنان يتعلم العيش داخل حرب لم تعد تحتاج إلى أن تشتعل بالكامل كي تحقق آثارها.
 
لا تعبئة عامة، ولا اجتياح شاملا، ولا إعلان حرب كل يوم، لكن هناك أرض لا يمكن الوصول إليها، وقرى مدمرة، وناس ينتظرون، وضربات متقطعة، واقتصاد جنوب مشلول، ومفاوضات تدور حول الشروط نفسها.
 
وقد يكون هذا تحديداً هو السيناريو الذي ينبغي أن يخشاه لبنان أكثر من انفجار عسكري سريع: ألا تقع الحرب الكبرى التي يخافها الجميع، وألا تأتي التسوية التي ينتظرها الجميع أيضاً، أي أن يبقى البلد أشهراً، وربما أكثر، في المنطقة الرمادية نفسها.
 
لا أحد يربح بما يكفي لينهي الصراع، ولا أحد يخسر بما يكفي ليقدّم التنازل، فيتحول الجمود من انتظار للحل إلى واقع جديد يُدار بدلاً من أن يُحل.