مجزرة مروّعة و11 شهيدًا لكنّ الهدنة ما زالت قائمة.. كيف يسقط وقف إطلاق النار؟

لم تُعلن الحرب من جديد في جنوب لبنان صباح السبت، لكن حصيلة الغارات بدت أقرب إلى يوم من أيامها منها إلى يوم في عمر هدنة. فقد استشهد 11 شخصًا في الغارات الإسرائيلية، سبعة منهم في بلدة أنصار بينهم ثلاثة أطفال وامرأتان، وأربعة في دير الزهراني، فيما أصيب 19 آخرون. وكانت تلك من أعنف الضربات منذ دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ مساء 20 حزيران، كما وصلت إحدى الغارات إلى عمق لم تبلغه الضربات منذ نحو شهرين.

 
قدّمت إسرائيل ما جرى باعتباره ردًا على هجوم بطائرة مسيّرة مفخخة أصاب ثلاثة من جنودها بجروح خطرة داخل المنطقة التي تسيطر عليها في الجنوب، وزعمت لاحقًا أن غارة أنصار استهدفت علي سمير الحاج حسن الذي وصفته بأنه قائد كتيبة في قوة الرضوان التابعة لحزب الله. في المقابل، رأى الرئيس جوزاف عون أن التصعيد يوجه رسالة إلى مسار المفاوضات. أما “حزب الله” فاعتبر أن الهجمات لن تمر من دون رد.
 
مع ذلك، بقيت الهدنة قائمة في الخطاب السياسي والدبلوماسي. فإسرائيل اتهمت حزب الله بـ”خرق وقف إطلاق النار”، وحزب الله تحدث عن الخروقات الإسرائيلية، فيما لم يعلن أي طرف انتهاء الاتفاق أو العودة رسميًا إلى الحرب. وهنا تظهر مفارقة يصعب تجاهلها: إذا كانت هدنة تستطيع أن تستوعب ضربة تقتل 11 شخصًا، وهجومًا يصيب جنودًا، وتهديدًا بالرد، ثم تبقى مع ذلك “هدنة”، فما الذي يفصل أصلًا بين وقف نار يتعرض للخروقات ووقف نار سقط فعليًا؟
 
الهدنة لا تسقط بالخرق الأول
لا توجد قاعدة عامة في القانون الدولي تحدد عددًا من الغارات أو القتلى يؤدي تلقائيًا إلى سقوط وقف إطلاق النار. فالهدنة في أصلها اتفاق على تعليق الأعمال القتالية، ولا تعني بذاتها انتهاء النزاع المسلح أو توقف تطبيق القانون الدولي الإنساني. لذلك قد تقع خروقات خطيرة من دون أن يزول الاتفاق تلقائيًا. وتقدم المادة 40 من لائحة لاهاي لعام 1907 مثالًا قانونيًا كلاسيكيًا على ذلك، إذ تمنح الطرف الآخر، عند وقوع خرق جسيم للهدنة، حق التنصل منها، وحتى استئناف الأعمال القتالية فورًا في الحالات العاجلة، من دون أن تجعل الخرق نفسه إعلانًا آليًا لانتهائها.

 
وتقدم التجربة اللبنانية الحالية مثالًا واضحًا على صعوبة رسم هذا الحد. ففي 19 حزيران اتفقت إسرائيل وحزب الله على وقف للنار بدأ عند الرابعة عصرًا، لكن القتال تجدد سريعًا، وفي اليوم التالي قتلت الغارات الإسرائيلية في لبنان ما لا يقل عن 20 شخصًا، بعدما قالت إسرائيل إن حزب الله أطلق أكثر من 50 مقذوفًا باتجاه قواتها. ووُصفت هدنة الجمعة لاحقًا بأنها انهارت سريعًا، قبل أن تتلقى القوات الإسرائيلية مساء السبت توجيهات جديدة بوقف النار، لتدخل المنطقة مرحلة الهدنة التي استمرت، على هشاشتها وخروقاتها، حتى التصعيد الأخير.
 
ثم أُضيفت إلى الهدنة في 26 حزيران مظلة سياسية أوسع، عندما وقّعت الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل إطارًا ثلاثيًا يربط انسحاب القوات الإسرائيلية تدريجيًا من الجنوب ببسط الجيش اللبناني سلطته ونزع سلاح حزب الله، ويفتح الطريق أمام مناطق تجريبية ومفاوضات لاحقة. ومع أن هذا المسار لم يُلغِ إمكان وقوع خروقات، فإنه جعل استمرار وقف النار مرتبطًا أيضًا بإبقاء العملية السياسية نفسها حيّة.
 
متى تصبح الهدنة اسمًا بلا مضمون؟
 
الفارق، عمليًا، لا يصنعه حادث منفرد بقدر ما يصنعه نمط القتال. فخرق محدود، حتى عندما يكون خطيرًا، قد يبقى داخل إطار هدنة إذا توقف التصعيد وعادت الأطراف إلى قواعدها وآلياتها. أما عندما تتحول الضربات إلى عمليات متكررة ومنظمة، وتتوسع جغرافيًا، ويعود كل طرف إلى تنفيذ أهداف عسكرية ممتدة بدل الرد على حادث محدد، تصبح المسافة بين “الخرق” و”استئناف الحرب” أضيق. عندها قد يستمر السياسيون في استخدام كلمة هدنة، بينما تكون الوقائع الميدانية قد أفرغتها تدريجيًا من مضمونها.
 
تزداد أهمية هذا المعيار في جنوب لبنان لأن وقف النار لم يولد أصلًا فوق أرض خالية من القوات والسلاح. القوات الإسرائيلية لا تزال منتشرة داخل أجزاء من الجنوب، وحزب الله رفض شروط نزع سلاحه الواردة في إطار 26 حزيران، فيما يحاول لبنان والولايات المتحدة وإسرائيل التقدم في مسار الانسحاب والمناطق التجريبية وآليات التحقق. لذلك يستطيع كل حادث ميداني أن يُقدَّم في الوقت نفسه باعتباره “دفاعًا” من طرف و”عدوانًا” أو “مقاومة” من الطرف الآخر. هذه المنطقة الرمادية تسمح باستمرار الهدنة سياسيًا حتى عندما يكون مستوى العنف أعلى بكثير مما توحي به الكلمة.
 
لكن السبت رفع سقف الاختبار. فأنصار ودير الزهراني لم تسجلا مجرد إطلاق نار على موقع عسكري أو اشتباكًا محدودًا في نقطة حدودية، وإنما سقوط مدنيين وأطفال في غارات جوية واسعة، فيما شهد الجنوب ضربات إضافية على مرتفعات علي الطاهر. إذا تبع ذلك رد من حزب الله، ثم رد إسرائيلي أوسع، وانتقلت الضربات من الحوادث المتقطعة إلى دورة مستمرة من الفعل والرد، فلن يكون السؤال عندها كم خرقًا سجلت الهدنة، وإنما ما إذا كان السلوك الفعلي للطرفين ما زال يعكس رغبة في تعليق الحرب أصلًا.
 
لهذا تبقى عبارة “وقف إطلاق النار” مستخدمة بعد استشهاد 11 شخصًا، كما بقيت بعد خروقات سابقة، لأن انهيار الهدن لا يحدث دائمًا ببيان يحمل ساعة وتاريخًا. أحيانًا تموت الهدنة رسميًا عندما يتنصل منها أحد أطرافها، وأحيانًا تتآكل ميدانيًا حتى يصبح الاسم آخر ما تبقى منها. وبين الحالتين يقف جنوب لبنان اليوم أمام اختبار مختلف عن اختبارات الأسابيع الماضية: ليس فقط ما إذا كان الطرفان سيخرقان وقف النار مرة أخرى، وإنما ما إذا كانا لا يزالان يتصرفان على أساس أن هناك وقف نار يستحق العودة إليه.