التقرير الذي ترجمهُ “لبنان24” يقول فإن الأنفاق المكتشفة لا تقتصر على ممرات ضيقة أو فتحات مخفية، بل تشكل منظومة تحت أرضية واسعة جرى تشييدها على مدى نحو عقدين بدعم إيراني وبمساهمة تقنية من كوريا الشمالية، بهدف تمكين “حزب الله” من إدارة حرب طويلة الأمد من تحت الأرض.
وأشار التقرير إلى أن قوات الهندسة القتالية الإسرائيلية ووحدة “يهلوم” عثرت داخل هذه الشبكة على مستودعات للأسلحة، وغرف قيادة واتصالات، وبنى لوجستية، وعيادات طوارئ، وغرف عمليات جراحية مجهزة، موضحاً أن بعض الأنفاق حفرت على عمق يقارب 40 متراً داخل الجبال الصخرية، الأمر الذي جعل اكتشافها وتدميرها مهمة هندسية معقدة.
وأوضح التقرير أن الجيش الإسرائيلي سبق أن كشف خلال عملية “درع الشمال” في كانون الأول 2018 ستة أنفاق هجومية عبرت إلى داخل الأراضي الإسرائيلية، إلا أن تلك الأنفاق، وفق وصفه، لم تكن سوى جزء محدود من مشروع أوسع.
ولفت إلى أن مركز “ألما” الإسرائيلي للأبحاث نشر في آب 2021 تقريراً بعنوان “أرض أنفاق حزب الله – الصلة الإيرانية والكورية الشمالية”، تحدث فيه عن شبكة واسعة تضم أنفاقاً استراتيجية تربط بين مناطق مختلفة، وأخرى تكتيكية داخل القرى وعلى مقربة منها، إضافة إلى أنفاق مخصصة للاقتراب من خطوط التماس وأنفاق هجومية.
وأضاف التقرير أن المشروع توسع بصورة كبيرة بعد حرب لبنان الثانية عام 2006، بدعم إيراني وكوري شمالي، بهدف ربط الضاحية الجنوبية لبيروت، حيث مقر قيادة “حزب الله”، بمنطقة البقاع التي تشكل، بحسب التقرير، العمق اللوجستي والعسكري للحزب، وصولاً إلى جنوب لبنان، فيما قدّر مركز “ألما” آنذاك أن يصل الطول الإجمالي للشبكة إلى مئات الكيلومترات.
وذكر التقرير أن الحرب التي اندلعت في تشرين الأول 2023 كشفت أجزاء واسعة من هذه المنظومة، حيث عُثر، وفق الرواية الإسرائيلية، على منشآت لتخزين الأسلحة، ومنصات إطلاق تحت الأرض، وبنى مخصصة للطائرات المسيّرة، وأنفاق تهريب على الحدود اللبنانية – السورية، فضلاً عن شبكات من الآبار والغرف والمخازن ومراكز القيادة المرتبطة بممرات تحت الأرض في عدد من القرى الجنوبية.
وفي ما وصفه بأحد أبرز الاكتشافات، قال التقرير إن القوات الإسرائيلية عثرت داخل نفق في منطقة الشقيف على منظومة دفاع جوي تضم سككاً حديدية داخل النفق نُصبت عليها مدافع مضادة للطائرات، بحيث يمكن إخراجها إلى مواقع إطلاق محفورة في الجبل وتشغيلها عن بعد من داخل غرفة تحكم محصنة، ثم إعادتها سريعاً إلى داخل النفق بعد تنفيذ المهمة، بهدف تقليص الفترة الزمنية التي تكون فيها المنظومة مكشوفة للاستهداف.
وذكر أن هذه الآلية تعكس، بحسب التقرير، فلسفة المشروع بأكمله، والمتمثلة في إخراج الأسلحة من داخل الجبل، وتشغيلها، ثم إعادتها إلى المواقع المحصنة قبل استهدافها جواً.
وأشار التقرير إلى أن وحدة “يهلوم” سبق أن تعاملت خلال الحرب مع مجمعين كبيرين للأنفاق أسفل بلدة القنطرة، أطلق عليهما الجيش الإسرائيلي اسمي “عكا” و”عراد”، وامتد كل منهما لمئات الأمتار، فيما استُخدم أكثر من 470 طناً من المتفجرات لتدميرهما، وهو ما أدى، وفق التقرير، إلى انفجار سُجلت شدته بما يزيد على 3.4 درجات على مقياس ريختر.
واعتبر التقرير أن الشبكة الموجودة أسفل مرتفع علي الطاهر أكبر وأكثر تعقيداً، إلا أن موقعها أسفل قلعة الشقيف يمنع استخدام الأسلوب نفسه في تدميرها، لذلك يدرس مهندسون إسرائيليون خيارات أخرى، من بينها ملء الأنفاق بالإسمنت، بهدف منع إعادة استخدامها مستقبلاً.
ونقل التقرير عن مصدر عسكري إسرائيلي قوله إن الهدف هو أن يعود “حزب الله” ليجد أن الأنفاق أصبحت غير قابلة للترميم، وأنه سيضطر إلى حفر شبكة جديدة في مكان آخر، مشيراً إلى أن الجيش يفضّل تدميرها بالكامل لما يحمله ذلك من أثر عملياتي ومعنوي.
ويقول التقرير إن مركز “ألما” قدّر سابقاً تكلفة شبكة الأنفاق التي بناها “حزب الله” خلال العقدين الماضيين بما يتراوح بين مليار وثلاثة مليارات دولار على الأقل، موضحاً أن هذه التقديرات تأخذ في الاعتبار صعوبة الحفر في الصخور الكلسية والدولوميتية، ومتطلبات العمل السري، والبنية اللوجستية اللازمة.
وأوضح أن تكلفة حفر متر واحد من الأنفاق في تلك الظروف قد تتراوح بين ألفي وخمسة آلاف دولار، وقد ترتفع أكثر بسبب السرية المطلوبة، ما يعني أن كلفة نفق بطول كيلومتر واحد قد تصل إلى ما بين مليونين وخمسة ملايين دولار، قبل احتساب أنظمة التهوية والكهرباء والاتصالات والمياه والصرف الصحي وغرف القيادة والمستودعات.
وأشار التقرير إلى أن واحدة من أكثر المهمات تعقيداً تمثلت في التخلص من كميات الصخور الناتجة عن الحفر، والتي بلغت، بحسب التقرير، مئات آلاف الأطنان، إذ كان يتعين نقلها سراً بواسطة الشاحنات، وتوزيعها في مواقع مختلفة أو طمرها في الأودية والمحاجر، بما يرفع الكلفة الإجمالية للمشروع.
وفي السياق نفسه، ذكر التقرير أن “حزب الله” تبنى نموذج الأنفاق الكوري الشمالي، الذي يعتمد على ممرات واسعة ومحصنة تتيح تحرك أعداد كبيرة من المقاتلين بسرعة وسرية، مشيراً إلى أن التعاون بين الجانبين بدأ، وفق تقارير إسرائيلية، في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، قبل أن يتلقى عناصر من الحزب تدريبات في كوريا الشمالية خلال التسعينيات، بينما وصل مدربون كوريون شماليون إلى جنوب لبنان عام 2000 للمساعدة في إنشاء الأنفاق والتحصينات.
وأضاف أن شركة “KOMID” الكورية الشمالية، المتخصصة في مشاريع البنية التحتية تحت الأرض والمرتبطة أيضاً بصناعة السلاح، شاركت، وفق تقرير “ألما”، في نقل الخبرات الهندسية وتوفير المعدات والمساهمة في إنشاء مواقع التخزين والإطلاق تحت الأرض، بينما أوكل تنفيذ الأعمال إلى مؤسسة “جهاد البناء” وشركات مدنية استخدمت، بحسب التقرير، كغطاء للمشروع.
وختمت “معاريف” تقريرها بالقول إن حجم البنية التحتية التي كُشف عنها يدل، من وجهة النظر الإسرائيلية، على أن الأنفاق لم تكن مجرد وسيلة مساندة، بل شكلت أساساً للعقيدة القتالية لـ”حزب الله”، إذ هدفت إلى ضمان استمرار القيادة والسيطرة، وحماية القدرات العسكرية، ونقل المقاتلين وتخزين الأسلحة ومواصلة إطلاق النار حتى في ظل تعرض المناطق فوق الأرض للقصف.
وأكدت أن المرحلة الحالية لم تعد تقتصر على كشف الأنفاق أو استهدافها، بل تتركز على إيجاد وسائل هندسية تضمن عدم تمكن “حزب الله” من إعادة استخدامها أو إعادة تشغيل ما وصفته بـ”المدينة التي بُنيت تحت الجبل”، بعد انسحاب القوات الإسرائيلية من المنطقة.










اترك ردك