من حدود البحر إلى المصالح المشتركة
كان ترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة مع قبرص الخطوة الأوضح في إعادة ترتيب علاقة لبنان بضفته المقابلة في المتوسط. فالبلدان سبق أن وقعا اتفاقًا للترسيم عام 2007 من دون أن يدخل حيز التنفيذ، قبل أن يعود الملف إلى الواجهة ويُنجز بصيغة جديدة هذا العام. ولا تقتصر قيمة الاتفاق على تحديد الإحداثيات، إذ ينص أيضًا على التعاون عند وجود موارد طبيعية ممتدة عبر المنطقتين الاقتصاديتين، ما يوفر إطارًا قانونيًا تحتاج إليه أي مشاريع مستقبلية مرتبطة بالطاقة والاستثمار البحري.
دعم الجيش ينتقل من الكلام إلى الآليات
تزداد أهمية هذا المسار مع حجم المهام التي تنتظر المؤسسة العسكرية. فالجيش يتحمل مسؤوليات متزايدة في الجنوب وعلى الحدود، ويُطلب منه تنفيذ خطة حصر السلاح وبسط سلطة الدولة، فيما يتقدم في البحر انتقال تدريجي لمسؤوليات كانت تتولاها القوة البحرية التابعة لـ”اليونيفيل”. وقد وقعت البحرية اللبنانية مع هذه القوة إطارًا عملياتيًا لعام 2026 يرفع مستوى مسؤوليتها عن تأمين المياه الإقليمية، مع انتقال القوة الدولية تدريجيًا إلى دور أكبر في التدريب والمشورة والمراقبة بدل تنفيذ المهام مباشرة.
لليونان صلة مباشرة بهذا الجانب أيضًا. فهي واحدة من الدول التي شاركت في القوة البحرية لـ”اليونيفيل”، وبالتالي راكمت خبرة في العمل قبالة الساحل اللبناني والتعاون مع البحرية اللبنانية. ولا يجعل ذلك أثينا بديلًا عن القوة الدولية أو عن الدول التي تؤدي الدور الأكبر في تمويل الجيش وتسليحه، لكنه يمنح العلاقة قيمة عملية في مرحلة يحاول فيها لبنان توسيع دائرة الدول المستعدة لتقديم المعدات والتدريب والخبرة. فكلما توسعت مسؤولية الجيش، اتسعت الفجوة بين ما يُطلب منه وبين الإمكانات التي يستطيع تمويلها من موازنة دولة لا تزال تعاني أزمة مالية عميقة.
تضع زيارة أثينا لبنان أمام معيار أكثر بساطة من الخطاب عن موقعه في شرق المتوسط: تحويل الجغرافيا إلى مصالح قابلة للقياس. مع قبرص، بدأ ذلك بترسيم البحر وفتح ملف الكهرباء. ومع اليونان، يظهر في تجهيز الجيش والتدريب والتعاون البحري. قيمة أثينا بالنسبة إلى بيروت لا تكمن في إضافة محطة جديدة إلى روزنامة الزيارات الرئاسية، وإنما في نقل العلاقة من المجاملات السياسية إلى ملفات تستطيع الدولة أن تستخدمها فعليًا، في البحر وعلى الأرض.











اترك ردك