وفي رأي بعض الأصدقاء المشتركين، فإن هناك أكثر من عامل يجعل فرضية كسر الجليد أقرب إلى الواقعية من فرضية القطيعة الدائمة.
أولاً، يدرك الرئيس بري أن موقع رئاسة الجمهورية يبقى ركناً أساسياً في النظام اللبناني، وأن أي مواجهة مفتوحة مع رئيس الجمهورية تُدخل البلاد في أزمة مؤسساتية يصعب ضبطها، ولا سيما في ظل الاستحقاقات الأمنية والسياسية المقبلة.
وفي المقابل، يعرف الرئيس عون أن أي مشروع لإعادة بناء الدولة أو تنفيذ التفاهمات الدولية، سواء تلك المرتبطة بالوضع في الجنوب أو بالإصلاحات الداخلية، يحتاج إلى حد أدنى من التفاهم مع رئيس مجلس النواب، الذي لا يزال يمسك بمفاتيح أساسية في الحياة الدستورية والتشريعية والسياسية.
لكن في الوقت نفسه، لا يمكن التقليل من حجم التباعد القائم بين الرجلين، إذ لا يتعلق فقط بملفات إجرائية أو خلافات شخصية، بل يعكس اختلافاً في مقاربة عدد من الملفات الحساسة، وفي مقدمتها تنفيذ “اتفاق الإطار”، ومستقبل السلاح خارج الدولة، وآلية إدارة المرحلة الانتقالية التي يعيشها لبنان بعد التحولات الإقليمية الأخيرة.
مع ذلك، فإن التجربة اللبنانية تشير إلى أن “عين التينة” نادراً ما تُغلق أبوابها نهائياً. فقد شهدت محطات عديدة خلافات حادة بين الرؤساء، لكنها انتهت غالباً إلى تسويات فرضتها الحاجة إلى استمرار عمل المؤسسات أو بفعل ضغوط داخلية وخارجية.
ويُضاف إلى ذلك عامل لا يقل أهمية، وهو أن بري يمتلك خبرة طويلة في تدوير الزوايا، بينما يُعرف عن الرئيس عون، بحكم خلفيته العسكرية، إعطاؤه الأولوية لاستقرار المؤسسات وعدم الذهاب إلى مواجهات مفتوحة إذا كان في الإمكان تحقيق الأهداف عبر التفاهم.
ما الذي قد يكسر الجليد؟
في رأي الأصدقاء المشتركين فإن هناك أربعة عوامل قد تدفع نحو إعادة فتح قنوات التواصل:
-إحراز تقدم في تنفيذ التفاهمات المتعلقة بالجنوب، بما يفرض تنسيقاً سياسياً بين الرئاسات.
-تدخل وسطاء داخليين أو خارجيين لتقريب وجهات النظر، ولا سيما إذا ظهرت حاجة إلى موقف لبناني موحد.
-الاستحقاقات التشريعية والاقتصادية التي لا يمكن إنجازها من دون تعاون بين “بعبدا” و”عين التينة”.
-إدراك الطرفين أن استمرار القطيعة قد ينعكس سلباً على صورة الدولة في مرحلة تحتاج فيها إلى أكبر قدر من التماسك.
لكن، في المقابل، يرى بعض الواقعيين من أهل السياسة، أنه إذا بقي الخلاف يتمحور حول قضايا استراتيجية تمس بتوزيع الصلاحيات أو آلية تنفيذ الالتزامات الدولية، فإن العلاقة قد تبقى باردة لفترة طويلة، حتى من دون أن تتحول إلى صدام مباشر.
لذلك، فإن التوصيف الأكثر دقة في هذه المرحلة ليس “قطيعة نهائية”، بل “هدنة باردة” أو “تباعد سياسي مضبوط”. فالجسور لم تُهدم بالكامل، لكنها تحتاج إلى مبادرة جدية لإعادة ترميمها، وقد تكون المتغيرات الإقليمية أو ضرورات إدارة المرحلة المقبلة هي العامل الذي يفرض هذا التقارب، ولو بقي محكوماً بالحد الأدنى من الثقة.
هل انتهى شهر العسل بين عون وبري؟

استنادًا إلى المواقف التي يطلقها كل من رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري، فإنه من المبكر، ومن خلال قراءة التجربة اللبنانية، الحديث عن قطيعة نهائية بين قصر بعبدا وعين التينة، حتى لو كانت العلاقة تمرّ بواحدة من أكثر مراحلها برودة منذ انتخاب الرئيس عون. فالسياسة اللبنانية، بخلاف ما توحي به المواقف العلنية، تقوم غالباً على إدارة الخلاف أكثر مما تقوم على حسمه.
ما رأيك؟
رائع0
لم يعجبني0
اعجبني0
غير راضي0
غير جيد0
لم افهم0
لا اهتم0










اترك ردك