فالجولات السابقة أرست المبادئ العامة، ورسمت آلية العمل، وفتحت الباب أمام معالجة الملفات العالقة. أما اليوم، فإن المطلوب لم يعد تبادل المواقف، بل إنتاج نتائج ملموسة يشعر بها اللبنانيون، ولا سيما أبناء الجنوب الذين عاد قسم منهم إلى قراه ليجدها مدمرة أو غير قابلة للحياة.
وهنا تكمن المفارقة. فكيف يمكن للمفاوضات أن تبني الثقة، فيما تستمر الوقائع الميدانية في تقويضها، وكيف يمكن إقناع سكان القرى الحدودية بأن مرحلة جديدة قد بدأت، فيما يسمعون يومياً أصوات الانفجارات، ويعيشون تحت وطأة القلق من تجدّد التصعيد؟
ولعل التجربة التي أطلقت في ما بات يعرف بـ”المناطق التجريبية” ستكون أحد أبرز الملفات المطروحة في روما. فقد شكّلت هذه المناطق أول اختبار عملي لاتفاق الإطار، وأظهرت أن الانسحاب العسكري وحده لا يكفي إذا لم يترافق مع إزالة آثار الحرب، وتأمين البنى التحتية، وإعادة الخدمات، وضمان الأمن والاستقرار.
لقد أثبتت تجربة زوطر الغربية، كما غيرها من القرى، أن استعادة الأرض لا تعني بالضرورة استعادة الحياة. فالدمار الواسع الذي واجهه الأهالي عند عودتهم كشف أن نجاح أي اتفاق لن يُقاس بعدد المواقع التي ينسحب منها الجيش الإسرائيلي، بل بقدرة الدولة والمجتمع الدولي على تحويل هذا الانسحاب إلى عودة فعلية للناس، لا إلى زيارة مؤقتة بين الأنقاض.
كما يراهن لبنان على أن تكرّس هذه الجولة مبدأ التوازن في تنفيذ الالتزامات، بحيث لا تتحول المفاوضات إلى مسار يطالب لبنان وحده بخطوات إضافية، فيما تبقى إسرائيل متحررة من استحقاقات مماثلة.
إن جولة روما ليست مفاوضات تقنية حول ترتيبات ميدانية فحسب، بل هي مفاوضات حول شكل المرحلة المقبلة في الجنوب اللبناني. فإذا نجحت في تحويل اتفاق الإطار إلى واقع مستقر، تكون قد فتحت الباب أمام مرحلة جديدة عنوانها الأمن وإعادة الإعمار. أما إذا بقيت الهوة واسعة بين ما يجري على طاولة المفاوضات وما يحدث في الميدان، فإن الاتفاق سيبقى هشاً، وسيظل الجنوب يعيش بين هدنة معلقة واحتمال دائم للانفجار.
لذلك، فإن السؤال الذي سيلازم هذه الجولة ليس فقط: ماذا سيحقق المفاوضون؟ بل أيضاً: هل تنجح مفاوضات روما في إنتاج سلام أمني مستدام، أم تكتفي بإدارة هدنة قابلة للاهتزاز عند أول اختبار؟












اترك ردك