قد يدفع المستهلك اللبناني مبلغاً أكبر لشراء هاتفه المقبل، حتى لو لم يكن مهتماً بالذكاء الاصطناعي ولا يستخدم خدماته. فالسباق العالمي لبناء مراكز البيانات، وهي المنشآت التي تشغّل هذه الخدمات، زاد الطلب على رقائق الذاكرة ودفع الشركات المصنّعة إلى إعطاء أولوية للمنتجات الأكثر ربحاً. والنتيجة ارتفاع كلفة مكوّن أساسي في الهواتف، بما فيها الأجهزة البسيطة التي يشتريها الناس للعمل والتواصل.
داخل الهاتف، تُستخدم “ذاكرة التشغيل” لتشغيل التطبيقات، وذاكرة التخزين لحفظ الصور والملفات. وتحتاج مراكز البيانات بدورها إلى كميات ضخمة من الذاكرة والتخزين. ومع توجيه جانب أكبر من الإنتاج نحو الخوادم، تضيق الإمدادات المتاحة لصنّاع الهواتف. وبحسب آخر الأرقام، ارتفعت أسعار عقود ذاكرة التشغيل التقليدية بنحو 93 إلى 98% في الربع الأول من 2026 مقارنة بالربع السابق، فيما واصل كبار المورّدين إعطاء الأولوية للذاكرة المخصّصة للخوادم، لكونها أكثر ربحية.
لكن تضاعف سعر الذاكرة لا يعني تضاعف سعر الهاتف، فالجهاز يضم شاشة ومعالجاً وبطارية ومكوّنات أخرى. ويتوقف حجم التأثير على مواصفات الجهاز، وعقود الشركة المصنّعة، وقدرتها على تحمّل ارتفاع الكلفة. وتبرز المشكلة أكثر في الهواتف الاقتصادية، حيث هامش الربح محدود، والمشتري شديد الحساسية لأي فرق في السعر. لذلك تجد الشركة نفسها أمام خيارات صعبة: زيادة السعر، أو تقليل بعض المواصفات، أو خفض إنتاج الأجهزة الأقل ربحاً.
ماذا يقول أهل السوق؟
وعن توقيت انعكاس هذه الزيادات على الأسعار في المحال اللبنانية، يشير إلى أن التجار “يبيعون حالياً بضاعة استوردوها في مراحل سابقة، ولن تتضح الصورة الفعلية قبل وصول الطلبيات الجديدة المسعّرة وفق كلفة اليوم”. ويلفت إلى أن التفاوت في كلفة البضاعة سيؤدي إلى فروقات ملحوظة في الأسعار بين متجر وآخر خلال الأشهر المقبلة، تبعاً لحجم المخزون لدى كل مستورد وتاريخ شرائه.
ويعتبر أن الضغط الأكبر سيقع على الأجهزة ذات الأسعار المعتدلة، لأن “الشركة التي تبيع هاتفاً رائداً تستطيع توزيع الزيادة على هامش ربح واسع، بينما لا تملك هذا الترف في الفئات الاقتصادية، فتلجأ إما إلى رفع السعر أو إلى التخفيف من المواصفات”. ومن هنا ينصح المشترين بعدم الاكتفاء بمقارنة اسم الطراز وسعره، بل بالتدقيق في سعة التخزين وذاكرة التشغيل والكاميرا وطبيعة الكفالة، “لأن الطراز الذي يبدو بالسعر نفسه قد يكون في الواقع نسخة أدنى من تلك التي بيعت بهذا المبلغ قبل فترة”.
أما عن توقيت الشراء، فيرى أن من يملك هاتفاً يؤدي وظائفه بشكل مقبول لا يحتاج إلى التسرّع، لكنه لا يعوّل على تراجع قريب في الأسعار، باعتبار أن مسارها “بات مرتبطاً بحجم الإنفاق العالمي على مراكز البيانات، وهو عامل يقع خارج قدرة السوق اللبنانية على التأثير”.
ولا يُفترض أن تتغير أسعار كل الأجهزة المعروضة محلياً دفعة واحدة. فالبضاعة التي اشتُريت سابقاً تختلف عن الدفعات الجديدة، كما تختلف سياسة التسعير بين مستورد وآخر. لذلك يتّضح الأثر الفعلي عند وصول البضاعة الجديدة، من خلال مقارنة أسعار النسخة نفسها بين الدفعات القديمة والجديدة، مع التأكد من تطابق سعة التخزين والضمان.
وعليه، فإن المتضرر الأكبر هو من يحتاج إلى استبدال هاتفه ويملك ميزانية ثابتة. قد يستطيع تأجيل الشراء إن كان جهازه يعمل، لكنه يواجه خيارات محدودة عند تعطّل الجهاز: دفع مبلغ إضافي، أو التنازل عن بعض المواصفات، أو الاتجاه إلى هاتف مستعمل. هكذا يمكن أن يدفع اللبناني جزءاً من كلفة التوسع العالمي في الذكاء الاصطناعي عند شراء جهاز يحتاجه لأبسط استخداماته اليومية.












اترك ردك