ما الذي حدث فعلاً؟
لماذا نجح الهجوم على الساحل؟
ثلاثة عوامل التقت في لحظة واحدة، وكلها تفسّر نجاح هذا التقدم.
أولاً، طبيعة الأرض. فمساحة السهل المفتوح سمح للقوات بتحرك بسرعة، وفي الوقت نفسه، لا يوفر للمدافع عمقاً طبيعياً. فمن يخسر خط الدفاع الأول هناك يخسر عشرات الكيلومترات دفعة واحدة.
ثانياً، تصدع المعسكر المناهض للحوثيين. هذا هو العامل الذي يغفله كثيرون. فقبل أشهر فقط خاضت الحكومة، بدعم من التحالف، حملة لاستعادة حضرموت والمهرة من المجلس الانتقالي الجنوبي، وألغى رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي اتفاقية الدفاع المشترك مع الإمارات وطالب أبوظبي بالخروج خلال 24 ساعة. وحُلّ المجلس بعد فرار عيدروس الزبيدي إلى الإمارات. النتيجة، جبهة جنوبية وغربية فقدت راعيها الإقليمي الأبرز، وبنية قيادة أعيد تركيبها على عجل. الحوثي لم يهاجم خصماً متماسكاً، بل هاجم تحالفاً لا يزال يلملم جراحه الداخلية.
حدود القوة: خمسة جدران أمام “اليمن كله”
الجدار الأول: الجبل
ما إن انتقل القتال من السهل إلى المرتفعات حتى تغير إيقاعه. فمعركة جبال كهبوب، التي تقع بعض قممها على بعد نحو 40 كيلومتراً من المضيق، تسير أبطأ بكثير من الاندفاع عبر السهول الساحلية. وأعلنت القوات الحكومية مع ألوية العمالقة ودرع الوطن وقبائل الصبيحة استعادة هذه الجبال بالكامل بعد معارك كبّدت الحوثيين خسائر كبيرة، بل أفيد عن مقتل قيادي حوثي بارز برتبة لواء مع ستة من طاقمه هناك.
المفارقة أن الحوثيين يحتاجون هذه الجبال دفاعياً لا هجومياً. فخبراء يرون أن قيمة كهبوب للجماعة تكمن في حماية ظهر مكاسبها الساحلية، لأن قواتها على الساحل ستبقى مكشوفة لهجمات من الجنوب والشرق ما لم تسيطر على المرتفعات. بمعنى آخر: الجماعة التي تبدو في موقع الهجوم تقاتل في الواقع لتأمين ما أخذته.
الجدار الثاني: تعز
الجدار الثالث: مأرب
إذا كانت تعز جسراً، فمأرب هي الحصن الذي ترتكز عليه بنية الدولة المعترف بها في الشمال. فقد كان عدد سكانها قبل الحرب نحو 348 ألفاً، لكنها تستضيف اليوم قرابة مليوني نازح، وفيها حقول صافر للنفط والغاز ومحطة كهرباء تغذي مناطق واسعة، وهي مصدر أساسي لإيرادات الدولة.
والأهم أن مأرب هي المكان الذي فشل فيه الحوثيون سابقاً. هجوم 2021 الكبير استنزف الجماعة لأشهر دون أن يسقط المدينة. واليوم الوضع مختلف: القوات الحكومية انتقلت هناك إلى الهجوم، في معارك وُصفت بأنها الأعنف منذ 2021.
الجدار الرابع: الجنوب
الجدار الخامس: السقف الإقليمي
قد تتحمل السعودية خسارة الساحل الغربي على مضض، لكنها لن تقبل حوثياً في عدن أو في حضرموت المتاخمة لحدودها. الرياض اليوم في حالة حرب مفتوحة مع الجماعة، خاصة بعد ان اشتعلت النيران قرب مطار الملك خالد في الرياض بعد هجوم تبنّاه الحوثيون، وسقط أول قتيل مدني في السعودية منذ نهاية هدنة 2022 في هجوم بمسيّرة على الطائف. والجماعة نفسها تقول إن الغارات والضربات الصاروخية السعودية منذ بدء التصعيد بلغت 988.
ماذا يريد الحوثي فعلاً؟
القراءة الأدق أن الجماعة لا تسعى إلى حكم اليمن كله، بل إلى ما يمكن تسميته “السيطرة الوظيفية”: امتلاك المفاصل التي تجعلها طرفاً لا يمكن تجاوزه. فالساحل يمنحها منفذاً بحرياً ومصدر دخل. وباب المندب يمنحها ورقة ضغط عالمية. والضغط على تعز ومأرب يستنزف الحكومة ويمنعها من التفكير في صنعاء. وترى مصادر أن الهجوم يهدف إلى انتزاع مزيد من الأرض وإضعاف الخصوم وتعزيز القدرة على إغلاق المضيق، وهي أهداف لا تتطلب دخول عدن.










اترك ردك