ولعلّ أكثر ما يقلق بعض القوى المسيحية المعارضة لـ”حزب الله” احتمال خروج إيران من المواجهة من دون أن تتمكن واشنطن من فرض أهدافها الأساسية عليها، واحتفاظها بقدرة التأثير في التسوية الإقليمية. وبالتالي، فإنّ تعثّر الرهان على إخضاع إيران يتيح للحزب استثمار بقائه وتماسكه لتعزيز موقعه في الداخل اللبناني.
ومما لا شك فيه أنّ احتفاظ إيران بموقعها في التسوية الإقليمية، رغم الخسائر التي تتكبّدها، يُحبط الرهان على إخضاعها وانتزاع تنازلات منها على حساب حلفائها. الامر الذي من شأنه أن ينعكس مباشرةً على موقع “حزب الله” في الداخل اللبناني، ويشكّل مأزقاً للقوى التي بنت حساباتها على انكفائه، إذ ستجد نفسها أمام خصم نجا من محاولة تحجيمه، وأصبح أقدر على فرض شروطه وحضوره في أي تسوية داخلية.
من هنا، تخشى هذه القوى أن يترجم “حزب الله” خروجه متماسكاً من المواجهة إلى نفوذ أوسع في الداخل، سواء في ملف السلاح أو في صياغة التحالفات والتأثير على الاستحقاقات والقرارات الكبرى. وبالتالي، سيجد خصومه أنفسهم مضطرين إلى التفاوض معه من موقع أضعف، بعدما توقّعوا أن تهيّئ لهم الحرب شروطاً أفضل لإعادة ترتيب التوازن الداخلي لصالحهم.
وفي هذا السياق، يبرز هاجس العودة إلى العزلة السياسية التي طبعت مرحلة ما قبل عام 2005، حين لم يكن الحضور المسيحي في المؤسسات كافياً لضمان شراكة فعلية في القرار. وتزداد حساسية هذا الهاجس مع إمكان تبدّل أولويات الحلفاء الخارجيين، وتقدّم مصالحهم في التسوية الإقليمية على التزاماتهم تجاه شركائهم اللبنانيين. وفي هذه الحالة، ستجد القوى نفسها مضطرة إلى التكيّف مع نتائج تسوية كانت تراهن على أن تُعقد لصالحها، وقد تصبح مطالبة بتقديم تنازلات بعدما بنت مواقفها على انتزاعها من خصومها، لتتراجع قدرتها على التأثير رغم استمرار حضورها في مؤسسات الدولة.
وفي ضوء ذلك، يمكن قراءة حدّة الهجوم على “حزب الله” باعتبارها محاولة استباقية لمنعه من تحويل صموده إلى شرعية سياسية متجددة. أما حين يمتد الهجوم إلى بيئته الشيعية المؤيدة، فإنه يكتسب وظيفة أشد خطورة، إذ يتحوّل إلى محاولة لعزلها سياسياً وتحميلها مسؤولية الحرب ونتائجها، الأمر الذي يجعل العودة إلى التفاهم أكثر كلفة على أصحاب الهجوم قبل سواهم.
غير أنّ ترجمة أي مكسب إيراني إلى نفوذ في لبنان تبقى محكومة بشروط التسوية وحجم الاستنزاف والتوازنات الداخلية، ما يُبقي أمام القوى المسيحية هامشاً للمبادرة وبناء شراكات تعزّز دورها. أمّا الاكتفاء بانتظار هزيمة “حزب الله”، فيتركها من دون خيارات سياسية إذا انتهت الحرب ببقائه طرفاً أساسياً في المعادلة اللبنانية، ويجعلها مضطرة إلى تقديم تنازلات كان يمكن تجنّبها بالتفاهم معه قبل أن تُحسم شروط التسوية.
وإذ أفرزت الحسابات المرتبطة بمسار الحرب وما قد تنتهي إليه تباينات بين الأحزاب المسيحية، يمضي اليمين اللبناني في المواجهة مع “حزب الله” إلى أقصى حدودها، انطلاقاً من رهانه على أن تفضي الحرب إلى تقليص نفوذه وإعادة ترتيب التوازن الداخلي لصالحه. في المقابل، تتّخذ قوى مسيحية أخرى موقفاً أكثر توازناً، وترى ضرورة الحفاظ على الشراكة والتفاهم مع “الحزب”، تجنّباً لمواجهة داخلية قد تتجاوز تداعياتها حدود الخلاف السياسي.
وتنطلق هذه المقاربة من أن استمرار الخلاف حول السلاح ودور “الحزب” الإقليمي يستدعي حواراً حول كيفية معالجة هذه الملفات، مع مراعاة التوازنات اللبنانية وقدرة مؤسسات الدولة على تحمّل أي تصعيد. ولذلك، تحافظ هذه القوى على التواصل مع “الحزب” رغم خلافاتها معه، وتتعامل مع الحوار بوصفه ضرورة للتوصّل إلى تفاهمات حول القضايا العالقة، من دون أن تربط مشاركتها فيه بما ستؤول إليه المواجهة الإقليمية.
غير أنّ هذه القراءة تقوم على فرضية صمود إيران واحتفاظها بنفوذها الإقليمي، وما يترتّب على ذلك من تعزيز موقع “حزب الله” في لبنان. أمّا خروج طهران من المواجهة بتنازلات تطال دعمها لحلفائها أو قبولها بتقليص نفوذها، فيفتح مساراً مختلفاً، تتوقّف تداعياته على مضمون تلك التنازلات ومدى شمولها الساحة اللبنانية. فالتراجع الإيراني قد يزيد الضغوط على “الحزب”، فيما تمنح خسارته العسكرية والسياسية خصومه قدرة أكبر على الدفع بمطالبهم، وفي مقدّمتها حصر السلاح بيد الدولة وتقليص تأثيره على القرار اللبناني.
وتبقى المسألة الأكثر حساسية بالنسبة إلى هذه القوى مدى تطابق حساباتها مع أولويات واشنطن عند التفاوض مع طهران. فالمطالب التي ترفعها الولايات المتحدة خلال المواجهة قد تخضع للمساومة عند البحث في تسوية، وفقاً لما تحصل عليه في ملفات أخرى. وهنا يتّضح البعد الإقليمي لهاجس العزلة، إذ قد ينتهي التصعيد الأميركي باتفاق مع إيران، فيما يبقى خصوم “حزب الله” في لبنان أمام التزامات ومواقف اتّخذوها على أساس استمرار التصعيد حتى تحقيق أهدافه.












اترك ردك