حتى اللحظة، لا توجد إجابة واضحة وحاسمة عن هذا السؤال، خصوصاً أن قراراً بهذا الحجم يرتبط بطبيعة الحرب وأهدافها ومسارها. لكن القراءة السياسية والعسكرية للمشهد توحي بأن مصلحة “حزب الله”، في الظروف الحالية، تقتضي عدم المشاركة في أي مواجهة جديدة، أقله ما دامت الحرب لا تشكل تهديداً وجودياً لإيران أو للحزب نفسه.
ولفهم هذه المعادلة، لا بد من العودة إلى حرب الأربعين يوماً، التي دخلها الحزب ضمن حسابات سياسية وعسكرية محددة، وتمكن، وفق القراءة الأقرب إلى مقاربته، من تحقيق هدفين أساسيين.
الهدف الأول تمثل في إعادة وضع نفسه على طاولة المفاوضات الإقليمية، بعدما كان هناك رهان على إخراجه من المعادلة السياسية والعسكرية في المنطقة. أما الهدف الثاني فكان تحسين شروطه الميدانية في مواجهة إسرائيل، إذ بالرغم من استمرار الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من الجنوب اللبناني، فإن حرية الحركة الإسرائيلية تراجعت بصورة كبيرة، ولم تعد بالسهولة التي كانت عليها في مراحل سابقة.
بمعنى آخر، لم تكن مشاركة الحزب في تلك الحرب مجرد خطوة عسكرية مرتبطة بالتضامن مع إيران، بل كانت لها أهداف مباشرة تتصل بموقعه ومستقبل الصراع في لبنان والمنطقة. ومن وجهة نظر الحزب، فإن النتائج التي تحققت جعلت كلفة المشاركة مقبولة قياساً بالمكاسب السياسية والميدانية التي حصل عليها.
لكن السؤال اليوم مختلف تماماً: ما الذي يمكن أن يربحه “حزب الله” من المشاركة في حرب جديدة؟
من الناحية السياسية، لا يبدو أن الحزب بحاجة إلى إثبات حضوره مجدداً، خصوصاً أنه بات جزءاً من الحسابات الإقليمية، ولن يؤدي امتناعه عن المشاركة، إلى إخراجه من أي تسوية مقبلة. وبالتالي، فإن فتح الجبهة اللبنانية قد لا يمنحه مكاسب إضافية توازي حجم الخسائر التي يمكن أن يتعرض لها.
أما إذا كان الهدف المقبل للحزب هو الوصول إلى تحرير الأراضي اللبنانية المحتلة، فإن هذا الهدف قد يصبح قابلاً للتحقيق من خلال نتائج المواجهة الإقليمية نفسها، في حال خرجت إيران منتصرة أو تمكنت من فرض تسوية بشروط أفضل. عندها يمكن للحزب أن يستفيد من نتائج الحرب من دون أن يتحمل لبنان مجدداً كلفة القصف الإسرائيلي والدمار والخسائر البشرية.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية، إذ إن عدم المشاركة قد يكون أكثر فائدة للحزب من المشاركة نفسها، خصوصاً إذا كانت النتائج السياسية للحرب ستنعكس على كل ساحات المنطقة، سواء شاركت هذه الساحات عسكرياً أم بقيت خارج المواجهة.
يضاف إلى ذلك أن الحسابات الإيرانية نفسها تبدو مختلفة عن السابق، بعدما تجاوزت طهران، وفق هذا التقدير، مرحلة الخطر الوجودي المباشر، وباتت أي مواجهة جديدة مرتبطة بتحسين موازين القوى وشروط التفاوض، لا بمجرد الدفاع عن بقاء النظام.
وعليه، يمكن القول إن الاحتمال الأرجح هو بقاء “حزب الله” خارج أي حرب مقبلة، ما لم تتغير طبيعتها أو تتعرض إيران لتهديد وجودي جديد، أو تبادر إسرائيل إلى توسيع المواجهة باتجاه لبنان.
فالحزب الذي دخل الحرب السابقة لتحقيق أهداف محددة، قد يجد اليوم أن أفضل طريقة للحفاظ على ما يعتبره مكاسب هي عدم الدخول في حرب لا يحتاج إليها، وترك نتائج المواجهة الإقليمية ترسم ملامح المرحلة المقبلة.










اترك ردك