ويؤكد الطبيب النفسي المتخصص في علاج الإدمان أحمد شحادة أن تراجع الأوضاع الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة والفقر، إلى جانب الضغوط النفسية الناتجة عن الأزمات المتلاحقة، أسهمت في زيادة حالات التعاطي. كما لعبت الهجرة، وتفكك بعض الروابط الأسرية، والتأثير المتنامي لوسائل التواصل الاجتماعي، وسهولة الحصول على بعض المواد المخدرة، دورًا إضافيًا في انتشار هذه الظاهرة.
ويقول شحادة إن الإدمان مرض مزمن يمكن علاجه، لكنه يتطلب وعيًا مبكرًا ودعمًا نفسيًا واجتماعيًا مستمرًا. ويشير إلى أن العديد من المدمنين يلجأون إلى المخدرات هربًا من الضغوط النفسية أو نتيجة تأثير الأصدقاء، قبل أن يجدوا أنفسهم أسرى هذه المواد التي تؤثر على حياتهم وصحتهم وعلاقاتهم الاجتماعية. ويضيف أن الوقاية تبدأ من الأسرة والمدرسة، عبر تعزيز الحوار مع الأبناء وتوعيتهم الى مخاطر المخدرات، مشددًا على ضرورة إزالة الوصمة الاجتماعية المرتبطة بطلب العلاج، لأن الخوف من نظرة المجتمع يدفع بعض المدمنين إلى إخفاء مشكلتهم وتأخير الحصول على المساعدة. من جهته، يروي محمد، وهو شاب لبناني يبلغ من العمر ثلاثين عامًا، تجربته مع الإدمان، مشيرًا إلى أن البداية كانت خلال فترة المراهقة بدافع الفضول ومرافقة أصدقاء السوء. ويقول: «لم أتوقع أن تتحول التجربة إلى إدمان استمر سنوات، خسرت خلالها عملي وابتعدت عن عائلتي، حتى شعرت بأنني فقدت كل شيء». ويضيف: «في إحدى المراحل، قررت طلب المساعدة بعد إلحاح من أفراد عائلتي، وخضعت لبرنامج علاجي استمر أشهرًا طويلة. لم تكن رحلة التعافي سهلة، لكن الدعم النفسي والعائلي كان العامل الأهم في استعادة حياتي من جديد». وتشير الدراسات إلى أن الإدمان لا يقتصر على المواد المخدرة التقليدية، بل يشمل أيضًا إساءة استخدام بعض الأدوية الموصوفة طبيًا، وهو ما يشكل تحديًا إضافيًا أمام الجهات الصحية. كما يحذر شحادة من الآثار الجسدية والنفسية الخطيرة للمخدرات، والتي قد تصل إلى الاكتئاب الحاد، واضطرابات السلوك، وأمراض القلب، وصولًا إلى الوفاة في بعض الحالات. ويرى شحادة أن مواجهة هذه الظاهرة لا تقتصر على الإجراءات الأمنية ومكافحة الاتجار بالمخدرات، بل تحتاج إلى مقاربة شاملة تشمل تعزيز التوعية داخل المدارس والجامعات، وتوفير خدمات الصحة النفسية بأسعار مقبولة، ودعم مراكز العلاج وإعادة التأهيل، إلى جانب توفير فرص عمل للشباب وإبعادهم عن الظروف التي قد تدفعهم نحو الإدمان.
ومع إحياء اليوم العالمي لمكافحة المخدرات، تتجدد الدعوات إلى تكاتف جهود الدولة والمؤسسات الصحية والتربوية والمجتمع المدني والأسر، للحد من انتشار هذه الآفة وحماية الأجيال الشابة. وفي ظل التحديات التي يواجهها لبنان، تبقى قصص المتعافين دليلًا على أن الإدمان ليس نهاية الطريق، وأن العلاج والدعم والإرادة قادرة على منح فرصة جديدة للحياة وبناء مستقبل أفضل بعيدًا عن المخدرات.
المصدر:
خاص لبنان24











اترك ردك