أرقام وحقائق صادمة: كيف أجهضت الحرب فرصة تعافي الاقتصاد اللبناني؟

قبل اندلاع الحرب، لم يكن الاقتصاد اللبناني قد تعافى بالكامل، لكنّه بدأ يسجّل مؤشّرات تحسّن تدريجي، عكستها تقاريرُ البنك الدولي التي توقّعت عودة تدريجيّة إلى النمو، وفتح نافذة أمل لمرحلة مختلفة. غير أنّ هذا المسار لم يكتمل، إذ سرعان ما قلبت الحرب الأخيرة المشهد، محوّلةً التعافي المنتظر إلى فرصة ضائعة جديدة، فالحرب لم تدمّر اقتصادًا مزدهرًا بقدر ما أجهضت فرصة نادرة لالتقاط الأنفاس، بعد توالي الأزمات.
أبعد من الأرقام… خسارة الفرص
لا تزال الخسائر التي تكبّدها لبنان جرّاء حرب الإسناد الثانية غير قابلة للتقدير الدقيق، إذ يتطلّب ذلك وقف العمليات وبدء مسوحات ميدانيّة شاملة. غير أنّ كلفة الحرب لا تقتصر على الأضرار المباشرة وغير المباشرة، بل تمتد إلى كلفة الفرص الضائعة، التي لا تقلّ وطأة عن الخسائر الماديّة، لا بل أكثر تعقيدًا وأصعب قياسًا. وفق رؤية الباحث الاقتصادي الدكتور نسيب غبريل، لا تُقاس الخسارة فقط بالأرقام المسجّلة، بل أيضاً بما لم يتحقق، من فرص نمو مؤجلّة، واستثمارات ضائعة، وثقة متراجعة.
غبريل يستند إلى مؤشرات عام 2023 التي عكست تحسّناً نسبيّا، أبرزها توقّف التفلّت الحاد في سعر الصرف، وتسجيل نوع من الاستقرار بعد إجراءات مصرف لبنان ووزارة المالية، ليستقر السعر خلال الصيف عند حدود 89,500 ليرة للدولار.بالتوازي، تراجع التضخم من مستويات قياسيّة قاربت 221% إلى نحو 45% في 2024، وتحسّنت القدرة الشرائية جزئياً بفعل تعديلات الأجور في القطاع الخاص. كما بدأ مصرف لبنان بإعادة تكوين احتياطاته بالعملة الأجنبيّة بعد وقف تمويل الدولة.
لفت غبريل في حديث لـ “لبنان 24” إلى أنّ الاقتصاد كان يتّجه لتسجيل نمو يقارب 3% في 2023، لولا اندلاع حرب الإسناد في تشرين الأول، التي شكّلت صدمة سلبيّة حدّت من اندفاعة القطاع السياحي وقطاعات أخرى، لينتهي العام بانكماش طفيف بحدود 0.5%. أمّا المؤشرات الاقتصاديّة في الأشهر الأولى من عام 2026 فكانت مقبولة نسبيًّا، غير أنّ إقحام لبنان في الحرب شكّل ضربة إضافيّة، محوّلاً المسار مجدّدًا إلى خسارة جديدة على مستوى خسائر الفرصة الضائعة. ويبرز القطاع السياحي نموذجًا واضحًا لهذه الخسارة، إذ يُعد من أبرز مصادر العملة الصعبة بإيرادات سنوية تقارب 4.7 مليار دولار.
في السياق نفسه، يؤكد غبريل أنّ لبنان كان على أعتاب استعادة دوره في استقطاب المؤتمرات والفعاليات، قبل أن تؤدي التطورات الأمنيّة إلى إلغاء أو تأجيل عدد كبير منها، بما في ذلك مؤتمر إقليمي كان مقررًا في بيروت في شهر نيسان الحالي، ناهيك عن حجوزات كبيرة للمغتربين لإقامة حفلات زفافهم في لبنان خلال الفترة الممتدة من أيار إلى أيلول، إضافة إلى تراجع تدفّق المغتربين والسياح إلى لبنان خلال الأعياد بفعل الحرب.
بالأرقام ..مؤشّرات التعافي قبل الحرب
أشارت تقديرات البنك الدولي إلى انتعاشة محدودة خلال الفترة التي سبقت الحرب. وفق تقرير المرصد الاقتصادي للبنان الصادر في حزيران 2025، كان من المتوقع أن يسجّل الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي نموًا، بنسبة 4.7% في عام 2025، مدعومًا بالتقدّم المرتقب في تنفيذ خطة إصلاح حكوميّة متعدّدة القطاعات، إلى جانب ارتفاع الاستهلاك، واستمرار تدفّق الرساميل، وتعافي الموسم السياحي الذي ساهم في ضخّ سيولة بالدولار في السوق. وقد دفعت هذه التطورات جهات دوليّة، من بينها البنك الدولي، إلى الإشارة إلى إمكانيّة دخول الاقتصاد اللبناني في مسار تعافٍ تدريجي، ولو بطيء. لكن مع تصاعد التوتّرات وتوسّع رقعة الحرب في أيلول 2024، انقلبت المؤشّرات رأسًا على عقب، إذ بدلاً من تحقيق نمو كان مقدّراً بنحو 4%، دخل لبنان في مرحلة انكماش حاد قُّدّر بنحو 7.1%، بحسب إصدار ربيع 2025 من التقرير نفسه بعنوان “تحوّل في المسار”، ما يرفع الانكماش التراكمي منذ عام 2019 إلى نحو 40%.
سيناريوهان للبنان
غبريل كان قد أعّد قراءتين لمستقبل الاقتصاد اللبناني، بظل الدعم الدبلوماسي العربي والغربي غير المسبوق لرئيس الجمهورية والحكومة والدفع لتطبيق الاصلاحات وحصر السلاح بيد الدولة “يفترض السيناريو الاول تسريع الإصلاحات البنيويّة، ومنها حصريّة السلاح بيد الدولة، والتوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي، ما كان يتيح تحقيق نمو بين 6 و7% في 2025، وإعادة الاقتصاد إلى حجمه ما قبل الأزمة (نحو 53 إلى 54 مليار دولار بحلول 2029).
أما السيناريو الثاني، وهو الذي يبدو أنّ لبنان يسلكه اليوم، فيقوم على بطء الإصلاحات لا سيّما المتعلقة باستكمال حصر السلاح بيد الدولة واستمرار عوامل عدم اليقين، ما يحدّ من النمو، ويُبقيه في حدود 3 إلى 4% في أفضل الأحوال.
بالمحصّلة، لا تقتصر تداعيات الحرب على ما خلّفته من أضرار مباشرة، بل تتعدّاها إلى تعطيل مسار كامل، كان يمكن أن يفتح نافذة خروج تدريجي من الأزمة، قبل أن تعصف الحرب بلبنان، وتعيد اقتصاده المترّنح خطوات إلى الوراء.