أسرى يعودون واحتجازات تتواصل.. هل تغلق المفاوضات ملفًا تعيد الحرب فتحه؟

على طريق صور–الناقورة، تحركت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر صباح الجمعة لاستكمال عملية إفراج بدأت قبلها بيوم بعودة مالك كمال غازي إلى لبنان، بعد نحو عام على احتجازه ونقله إلى إسرائيل. وكان يفترض أن يتسلّم لبنان أربعة محتجزين آخرين، بينهم لبنانيون وسوريون بحسب المعلومات المتداولة، لينتقل بذلك ملف الأسرى للمرة الأولى منذ بدء الحرب الأخيرة من اللوائح المتبادلة في غرف التفاوض إلى أرض الواقع.

 
يحمل المشهد صورة نجاح يحتاج إليها المسار التفاوضي اللبناني بعد جولات لم تنتج انسحابًا إسرائيليًا كاملًا أو وقفًا للعمليات العسكرية. لكنّ عملية الإفراج تزامنت مع استمرار التوغلات والاحتجازات في قرى الجنوب، إذ دخلت قوة إسرائيلية بلدة حلتا واحتجزت ثلاثة رجال في اليوم نفسه الذي عاد فيه غازي، فيما بقيت عمليات الدهم والخطف الميداني جزءًا من الوقائع اليومية في المناطق الحدودية. هكذا تخفّض المفاوضات عدد المحتجزين من جهة، بينما يعيد الميدان إضافة أسماء إلى اللائحة من جهة أخرى.
 
لا تقلل هذه المفارقة من أهمية عودة أي أسير، لكنها تحدد المعيار الذي ينبغي أن تُقاس به نتيجة المفاوضات. فالإفراج عن دفعة محدودة يمكن أن يكون بداية لمسار يؤدي إلى استعادة جميع الأسرى وكشف مصير المفقودين، لكنه يمكن أيضًا أن يتحول إلى إدارة متقطعة لملف يتجدد مع كل توغل إسرائيلي. وبين الاحتمالين، يصبح السؤال: هل بدأت المفاوضات فعلًا بإغلاق ملف الأسرى، أم أنها نجحت حتى الآن في تحرير بعض من تواصل الحرب إنتاجهم؟
 
أول نتيجة قابلة للقياس
 
أُدرج ملف المحتجزين والرفات في اتفاق الإطار الموقع في 26 حزيران، ثم حضر بقوة في الجولة السابعة من المفاوضات التي استضافتها روما، حيث تبادل الوفدان اللبناني والإسرائيلي لوائح أولية. بقيت البنود الكبرى عالقة، من الانسحاب الإسرائيلي إلى انتشار الجيش ونزع السلاح وإعادة الإعمار، فيما ظهر ملف الأسرى بوصفه أحد المسارات الأقل استعصاءً. جاءت عودة غازي والدفعة التي تليه لتمنح الاتفاق أول نتيجة إنسانية يمكن عرضها أمام اللبنانيين، بدل الاكتفاء بتوصيف الاجتماعات بأنها إيجابية أو بناءة.

 
وتشير المعلومات إلى أنّ الوساطة الأميركية أدّت دورًا مباشرًا في تحريك الملف، ولا سيما بعد زيارة السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى إلى إسرائيل ولقائه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو. وقدّم مسؤول في الخارجية الأميركية العملية باعتبارها نتيجة وساطة بين حكومتين، معربًا عن أمله في أن تصبح أساسًا لمناقشات أوسع حول القضايا المدنية. ولذلك، شكر رئيس الحكومة نواف سلام الإدارة الأميركية، مؤكدًا استمرار العمل حتى الإفراج عن جميع الأسرى وكشف مصير المفقودين وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل.
 
مع ذلك، تكشف هوية المفرج عنهم حدود الاختراق بقدر ما تظهر أهميته. فإسرائيل قالت إن الخمسة الذين قررت الإفراج عنهم مدنيون، وإن التحقيق لم يثبت انتماءهم إلى تنظيم مسلح أو مشاركتهم في القتال. معنى ذلك أن الدفعة لم تُنتزع بعد من قلب الخلاف حول المقاتلين والأسرى الأمنيين، وإنما بدأت بأشخاص أقرت إسرائيل نفسها بعدم وجود مبرر لاستمرار احتجازهم. وربطت الرواية الإسرائيلية الإفراج بمساعدة لبنانية في البحث عن رفات شخصيات يهودية لبنانية اختُطفت وقُتلت خلال الحرب الأهلية، ما أدخل ملفات عمرها أربعة عقود في تسوية إنسانية تخص حربًا لا تزال دائرة.
 
لائحة تنقص ولا تُغلق
 
عمليًا، تكشف الأرقام المتداولة حجم العمل المتبقي، كما تكشف غياب صورة نهائية وموحدة للملف. فقد تحدثت لائحة لبنانية محدثة عن 36 اسمًا، بينهم مدنيون ومزارعون وصيادون ومتطوعون ومقاتلون، إضافة إلى حالات تعود إلى ما قبل الحروب الأخيرة. ونقلت رويترز عن مصادر لبنانية أن 35 محتجزًا ظلوا في إسرائيل بعد الإفراج عن غازي، بينهم عشرون مدنيًا، في حين قيل إن أسماء الأربعة المقرر تسليمهم لم تكن واردة أصلًا في اللائحة السابقة.
 
قد يرتبط هذا التباين بوجود سوريين ضمن الدفعة، لكنه يوضح أيضًا الحاجة إلى سجل رسمي معلن يميز بدقة بين الأسير والمفقود والجثمان المحتجز ومجهول المصير. فتعدد الفئات يتيح لإسرائيل تفكيك الملف إلى مجموعات متفاوتة القيمة التفاوضية. بهذا المعنى، يمكن الإفراج عن مدنيين ثبت عدم مشاركتهم في القتال وتقديم الخطوة بوصفها بادرة حسن نية، فيما يبقى المقاتلون والحالات الأقدم رهائن للتقدم في ملفات السلاح والانسحاب والترتيبات الأمنية.
 
ويصبح الخطر عندها أن يتحول الحق في معرفة مصير كل محتجز إلى سلسلة من الدفعات المشروطة، وأن يُنقل عبء الإثبات إلى لبنان وعائلات الأسرى بدل أن تتحمل الجهة التي تحتجزهم مسؤولية إعلان أسمائهم وأماكن وجودهم وظروفهم الصحية. كما أنّ استمرار الاحتجازات خلال التوغلات يضاعف هذه المشكلة. فكل عملية إسرائيلية داخل بلدة جنوبية قادرة على إنتاج أسرى جدد، وبذلك لا يعود التحدي محصورًا في استعادة الموجودين على اللوائح، وإنما يشمل منع تحول سكان القرى الحدودية إلى مخزون جديد للمقايضة.
 
تعطي عودة غازي ومن معه المفاوضات إنجازًا حقيقيًا لا يصح التقليل منه، خصوصًا بالنسبة إلى الأسر التي انتظرت خبرًا عن أبنائها. غير أن الدفعة لا تنقل الملف وحدها من منطق الصفقات المتقطعة إلى طريق الإغلاق، فاللائحة التي تنقص عند الناقورة ثم تكبر داخل القرى الحدودية تبقى جزءًا من حرب مستمرة. يبدأ الإنجاز الكامل حين يصبح لكل مفقود مصير معروف، وتتوقف إضافة أسماء جديدة إلى اللائحة، لا حين تطلق إسرائيل بعض الأسرى بينما تواصل صناعة آخرين.