تسجّل الأشعة الكونية في الفضاء مستويات طاقة هائلة، تتجاوز بنحو عشرة ملايين مرة الطاقة الناتجة عن تصادم الجسيمات داخل مصادم الهادرونات الكبير على الأرض.
ويعتقد العلماء أن هذه الجسيمات قد تحمل مفتاحًا لحل لغز استمرّ حيرتهم لأكثر من ستة عقود، والمتعلق بمصدر هذه الطاقات غير المسبوقة في الكون.
في عام 2021، رُصد جسيم كوني شديد الطاقة اصطدم بالأرض، وأُطلق عليه اسم “أماتيراسو” تيمّنًا بإلهة الشمس في الأساطير اليابانية.
وقد بلغت طاقته أكثر من 40 مليون مرة طاقة الجسيمات المتولدة داخل مصادم الهادرونات الكبير (Large Hadron Collider – LHC)، وهو أكبر وأقوى مسرّع جسيمات في العالم، المصمم لدراسة المكوّنات الأساسية للمادة وقوانين الفيزياء الكونية.
وبذلك يُعد “أماتيراسو” ثاني أقوى جسيم كوني تم رصده حتى الآن، بعد جسيم سجّل عام 1991 وحمل اسم “جسيم يا إلهي” (Oh-My-God particle). ورغم شدّة هذه الظواهر، فإن مصدرها لا يزال غير معروف حتى اليوم.
واللافت أن جسيم “أماتيراسو” بدا وكأنه قادم من منطقة شبه خالية في الفضاء، لا تظهر فيها نجوم أو مجرات واضحة يمكن أن تُفسّر انبعاثه.
في هذا السياق، يطرح فريق بحثي بقيادة كوهتا موراسي من جامعة بنسلفانيا فرضية جديدة تشير إلى أن الأشعة الكونية الأعلى طاقة قد لا تكون بروتونات تقليدية، بل نوى ذرّية لعناصر أثقل من الحديد.
ومنذ أكثر من 60 عامًا، يحاول العلماء فهم الكيفية التي تتكوّن بها هذه الأشعة وكيف تكتسب هذه الطاقة الهائلة.
ويقول موراسي إن هذه الجسيمات لا يمكن تسريعها إلا في بيئات كونية شديدة العنف، مثل انهيار نجم ضخم وتحوله إلى ثقب أسود، أو اندماج نجمين نيوترونيين.
ولتوضيح شدة هذه الظواهر، يمكن تخيّل ضغط كتلة شمس كاملة داخل كرة لا يتجاوز قطرها نحو 20 كيلومترًا، وهو ما يُعرف بالنجم النيوتروني. وعند اصطدام نجمين من هذا النوع، تنتج طاقات هائلة قادرة على إطلاق جسيمات بهذه القوة.
وفي إطار الدراسة، أجرى العلماء محاكاة رقمية لتتبّع كيفية فقدان هذه الجسيمات لطاقتها أثناء رحلتها الطويلة عبر الفضاء. وتبيّن أن النوى الثقيلة، خصوصًا تلك الأثقل من الحديد، تفقد طاقتها بوتيرة أبطأ بكثير من الجسيمات الأخف، ما يسمح لها بالوصول إلى الأرض محتفظة بطاقة عالية، بما ينسجم مع خصائص جسيم “أماتيراسو”.
ويشير موراسي إلى أن هذا لا يعني أن جميع الأشعة الكونية فائقة الطاقة تنتمي إلى هذا النوع، لكنه يوضح أن وجود نسبة منها قد يغيّر طريقة تحديد مصادرها في الكون.
أما أبرز السيناريوهات المحتملة لتكوين هذه النوى الثقيلة، فتشمل انهيار النجوم العملاقة إلى ثقوب سوداء أو نجوم نيوترونية شديدة المغناطيسية، إضافة إلى تصادمات النجوم النيوترونية.
وتُعد هذه الأحداث من بين أكثر الظواهر عنفًا في الكون، وهي نفسها التي تُنتج انفجارات أشعة غاما، المعروفة بأنها من أقوى الانفجارات الكونية المسجّلة.
وقد يساهم هذا التفسير أيضًا في توضيح الفروق المرصودة بين الأشعة الكونية القادمة من نصفي الكرة السماوية الشمالي والجنوبي، إذ يُتوقع أنه في حال كانت النوى الثقيلة مساهمة رئيسية في أعلى الطاقات، فإن البيانات المستقبلية ستكشف عن تركيبة أثقل من الحديد في هذه الجسيمات. (روسيا اليوم)











اترك ردك