كتب جوني منيّر في” الجمهورية”: من المقرر ان يشارك لبنان في 29 الجاري، بوفد عسكري في مفاوضات مع وفد عسكري إسرائيلي في مقر «البنتاغون»، وتحت إشراف وفد عسكري أميركي كبير.
وكتب جوني منيّر في” الجمهورية”: الجولة الثالثة، والتي تشكّل فعلياً جولة التفاوض الأولى، احتوت عدداً من الإشارات المعبّرة، والتي لا بدّ من التوقف عندها وقراءة خلفياتها. فكان لافتاً تمديد الهدنة لفترة 45 يوماً، وهو تمديد طويل إلى حدّ ما بالمقارنة مع التمديد السابق، في وقت كانت الإشارات الإسرائيلية تتوالى حول احتمال العودة قريباً إلى الحرب المفتوحة مع لبنان. وكانت عواصم غربية عدة وفي طليعتها واشنطن، قد أبلغت إلى المسؤولين اللبنانيين الكبار، أن إسرائيل تستعد للعودة إلى الحرب المفتوحة مع لبنان خلال الأسابيع المقبلة، وفي وقت أخذ البعض هذه التحذيرات على محمل الجدّ، فإن البعض الآخر أدرجها في سياق الضغوط على السلطة اللبنانية تمهيداً للجولة التفاوضية. لكن إقرار التمديد الطويل نسبياً للهدنة، أعطى الإنطباع بأن الطرف الأميركي لا يؤيد توسيع دائرة النار في لبنان الآن والذهاب إلى الحرب الواسعة. لكن ذلك لا يلغي خطر المواجهات الموضعية أو الضربات المحدّدة والمحدودة. وخلال جلسات التفاوض في واشنطن، تحدّث السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى، متوجهاً إلى رئيس الوفد الإسرائيلي قائلاً إنّه تلقّى طلباً لبنانياً بتمديد الهدنة لأطول فترة ممكنة، وإنّه، أي عيسى، يؤيد بقوة هذا الطلب. وانطلاقاً من ذلك تمّ إقرار تمديد ال45 يوماً. وعقّب عيسى على ما تمّ إقراره متوجهاً إلى الوفد اللبناني قائلاً، بأنه يأمل أن يؤدي هذا التمديد الطويل إلى خطوات عملية من جانب لبنان في الملفات المطروحة على الطاولة. لكن الخشية اللبنانية كانت تتركز حول استمرار الخروقات اليومية الإسرائيلية كما هو حاصل منذ إقرار وقف النار. وهذه النقطة أثارها الرئيس نبيه بري في مواقفه المعلنة، كما في التواصل القائم بينه وبين قصر بعبدا عبر مستشاره علي حمدان ومستشار رئيس الجمهورية العميد أندريه رحال، والذي كان يتولى نقل آخر التفاصيل الواردة من قاعة المفاوضات في واشنطن. وعلى الموجة نفسها، طلب وليد جنبلاط من ممثله في لجنة التفاوض السفير شوقي بو نصار، التمسك بهذا الطلب، كونه كان عضواً مشاركاً في لجنة المفاوضات، والتي كانت تواكب اجتماعات واشنطن من قصر بعبدا. وهذه اللجنة التي يرأسها السفير سيمون كرم تضمّ بالإضافة إلى بو نصار، الأمين العام لوزارة الخارجية عبد الستار عيسى. وسُجّل تغييب بول سالم عن آخر اجتماعاتها. وفي وقت بقي مقعد الممثّل الشيعي فارغاً، وافق جنبلاط على إشراك ممثله في الإجتماعات التي تُعقد فقط في لبنان في غياب الممثّل الشيعي، وليس خارجه. وأمام تدخل السفير الأميركي كان الجواب الإسرائيلي أن إسرائيل تلتزم بعدم استهداف العمق اللبناني والمتمثّل بالعاصمة بيروت، وأضاف، أن الواقع في الجنوب مختلف، متهماً «حزب الله» بأنه هو من يعمد إلى خرق قرار وقف النار من خلال نقل أسلحة وذخائر إلى مناطق جنوب الليطاني عبر وسائل عدة، ومنها سيارات الهيئة الصحية الإسلامية. وعلى رغم من إصرار الوفد اللبناني وتفهم السفير الأميركي عيسى، إلا أن الوفد الإسرائيلي رفض تقديم أي التزام خطي أو حتى بيان رسمي، بعدم خرق قرار وقف النار، لكي لا يلزم إسرائيل بأي موقف رسمي. وخلال الجلسات المتواصلة، كرّر الوفد الإسرائيلي «لازمته» ردّاً على النقاط اللبنانية، بأنه لا توجد أطماع إسرائيلية بأي قطعة أرض لبنانية ولا بالمياه، وأن مشكلته الوحيدة هي أمنية وتنحصر بالتركيبة العسكرية لـ«حزب الله» والسلاح، وأنه عندما تنتفي هذه «المخاطر» على أمن المستوطنات الشمالية الإسرائيلية، فلا تعود هنالك مشكلة لدى إسرائيل مع لبنان. وقد تكون إسرائيل تسعى من خلال موقفها لفرض معادلة جديدة مفادها؛ لا انسحاب قبل قيام لبنان بالخطوات المطلوبة منه، ولا وقف دائماً وثابتاً لإطلاق النار قبل ضمان نزع سلاح «حزب الله».
وفي 29 الجاري، سيشارك لبنان بوفد عسكري في مفاوضات مع وفد عسكري إسرائيلي في مقر «البنتاغون»، وتحت إشراف وفد عسكري أميركي كبير يضمّ عدداً كبيراً من الضباط الكبار، وبما يفوق مجموع عدد الوفدين العسكريين اللبناني والإسرائيلي معاً. ومن المنطقي الإستنتاج، بأن هذا المسار «الجديد من نوعه» يعكس توجهاً أميركياً حازماً بعدم إهدار مزيد من الوقت. وما من شك في أن هذا المسار يؤرق قيادة الجيش، فهي تعرف جيداً ما ينتظرها والخيارات الصعبة التي تواجهها. وقد تكون أولى الصعوبات في طريقة تشكيل الوفد العسكري، وما إذا كان سيراعي التنوع الطائفي اللبناني الحساس جداً، في هذه المرحلة خصوصاً. والطرح الذي كان قد أشار إليه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو والمكلف متابعة الملف اللبناني، حول تشكيل قوة خاصة داخل الجيش اللبناني، سيكون حاضراً بقوة على طاولة البنتاغون. وفي وقت يلحظ المشروع الأميركي تدريب هذه القوة المنتقاة بعناية في الولايات المتحدة الأميركية وتسليحها بأسلحة متطورة، فإن الجهات اللبنانية تعتبر أن تشكيل هذه القوة وفق المواصفات المطروحة والمهمة المطلوبة منها سيكون صعباً. ومن البديهي الإستنتاج أنّ واشنطن لا تريد سماع ما يردّده المسؤولون اللبنانيون حول احتمال انقسام الجيش في حال الدخول في مواجهات مع «حزب الله». وبالتالي، فإنّ هذه القوة التي سيجري تشكيلها وتدريبها وتجهيزها ستتولى المهمّة من دون الخشية من تأثيرات سلبية. أقله هذا ما يعتقده الأميركيون. وفهم أن محادثات تجري بين لبنان وواشنطن عبر قنوات خلفية لتوضيح الزوايا الحساسة. وربما لذلك نصح وليد جنبلاط الموجود في باريس بضرورة التنسيق الدائم بين رئيس الجمهورية ورئيسي المجلس النيابي والحكومة، فالتنسيق وحده بين هذه المواقع الثلاثة يمكن أن يؤمّن الحماية السياسية للمفاوضات، ويضمن نتائجها. وأمام من التقاهم في العاصمة الفرنسية، اعتبر جنبلاط «أن الظرف الذي يمرّ فيه لبنان صعب وخطير، فإسرائيل تريد الإستمرار في مشروعها التدميري في لبنان، وأنه لا حل أمام لبنان سوى المفاوضات، فهي السبيل الوحيد للخروج من هذا الجحيم، ولا مسار آخر متوافراً».
ولكن، هل هذا يعني أن هذه المفاوضات أنهت خطر العودة إلى الحرب المفتوحة؟ بالتأكيد كلاً، لأنّ العقدة الأساسية لم تُحلّ بعد. فإسرائيل تريد إحداث تغيير جذري في الواقع الأمني. وفي المقابل لا يبدو «حزب الله» مستعداً للتسليم بما هو مطروح، والأهم أن إيران لا تزال ترفض القبول بالمعادلة الإقليمية الجديدة، وتتشبّث بعدم خروجها من الشاطئ اللبناني. وهي لذلك تراقب المسار اللبناني وتربطه بالتفاوض الأميركي – الإيراني الأوسع.









اترك ردك