توقيت متعمّد
سجلّ أسود ممتد
ما حصل في الطيري ليس حادثة شاذة في سلوك الجيش الإسرائيلي. منذ بداية الحرب في تشرين الأول 2023، قتلت إسرائيل عشرات الصحافيين والاعلاميين في لبنان، تسعة منهم سقطوا منذ الثاني من آذار الماضي وحده . وفي غزة، تشير إحصاءات لجنة حماية الصحافيين إلى أن إسرائيل قتلت 262 صحافياً وعاملاً إعلامياً منذ 7 تشرين الأول 2023، ما يجعلها مسؤولة عن أكثر من ثلثي عدد الصحافيين الذين قُتلوا في العالم خلال العامين الماضيين .
أما في حالة خليل، فإن ما حصل يفوق مجرد الادعاءات الباطلة. فقد سبق أن تلقت تهديدات مباشرة بالقتل عبر تطبيق واتساب من رقم إسرائيلي خلال تغطيتها حرب 2024. وأحد هذه التهديدات قال لها بالنص: “سنفصل رأسك عن جسدك إذا لم تغادري الجنوب”. وكان أدرعي نفسه قد نشر تغريدة قبل أيام من مقتلها يصف فيها صحيفة “الأخبار” التي تعمل فيها بأنها “إعلام إرهابي يتحدث بلسان حزب الله الشيطان”، ما اعتبرته لجنة حماية الصحافيين “تحريضاً” صريحاً .
القانون الدولي في مهبّ النار
ليس سلوك إسرائيل مجرد انتهاك أخلاقي. القانون الدولي واضح في هذه المسألة. المادة 79 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف تصنّف الصحافيين العاملين في مناطق النزاع كمدنيين، وتمنحهم الحماية ذاتها التي يحصل عليها أي مدني خلال نزاع مسلح دولي أو غير دولي. واستهدافهم المتعمد يمثل خرقاً جسيماً للاتفاقيات، ويُعتبر جريمة حرب بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية .
لماذا الآن؟
يعود السؤال المحيّر: لماذا تغتال إسرائيل صحافية في هذا التوقيت بالذات، بينما يجتمع دبلوماسيوها مع نظرائهم اللبنانيين في واشنطن؟ الإجابة ليست في التقنية العسكرية بل في الاستراتيجية السياسية. المفاوضات بالنسبة للحكومة الإسرائيلية الحالية ليست بديلاً عن الحرب، بل امتداد لها بأدوات أخرى. في حين تطالب بواشنطن بنزع سلاح حزب الله، تواصل عمليات الاغتيال الميدانية لتكريس معادلة جديدة في الجنوب، معادلة لا سقف زمنياً لها ولا حدود جغرافية واضحة .
لم تكن آمال خليل ضحية خطأ في تحديد الهدف. بل كانت صوتاً معروفاً لإعلام يُعتبر معادياً، ومراسلة تُجيد توثيق آثار القصف على المدنيين، وصحافية رفضت التهديدات وغادرت منزلها لتغطي وقف إطلاق النار الذي صدّق به كثيرون. قُتلت وهي تحمل هاتفها، لا سلاحاً. وانتهى بها المطاف تحت ركام منزل صغير في بلدة حدودية، بينما كان العالم يتابع صوراً من طاولة مستديرة في واشنطن حيث جلس الوفدان اللبناني والإسرائيلي وجهاً لوجه، تُقتل صحافية.. هذا يدفعنا للقول:” إسرائيل لا تتفاوض لتنهي الحرب. هي تتفاوض لتستمر الحرب من دون شهود.”












اترك ردك