وبحسب تقرير “ذا ناشونال”، فإن إيران خرجت من الحرب وقد عززت موقعها الإقليمي، لكنها في المقابل تعرضت لأضرار كبيرة. فسنوات العقوبات الطويلة أضعفت اقتصادها، ثم جاءت الحرب لتفرض إغلاق جزء كبير من إنتاجها النفطي، قبل أن تتعرض منشآت غاز وبتروكيماويات ومصانع صلب لضربات إسرائيلية وأميركية.
ويرى التقرير أن القيادة الإيرانية الجديدة تدرك أنها لا تملك وقتاً مفتوحاً. فالشارع الإيراني عانى اقتصادياً واجتماعياً، ووقف خلف بلاده في لحظة الحرب، حتى لو كان كثيرون يرفضون أداء النظام داخلياً. لذلك، فإن أي فرصة لفتح الاقتصاد وتحسين ظروف المعيشة قد تكون ضرورية لتهدئة الداخل وتثبيت الاستقرار.
ويستعيد الكاتب تجربة ما بعد الحرب العراقية – الإيرانية، عندما حاول الرئيس الإيراني الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني تحرير الاقتصاد وإعادة بنائه. ففي عام 1995، وقعت شركة “Conoco” الأميركية اتفاقاً بقيمة مليار دولار لتطوير حقول “سيري” الإيرانية، المقابلة لحقول بحرية في دبي كانت الشركة تعمل فيها. لكن الرئيس الأميركي بيل كلينتون أوقف الصفقة، ثم حظر الاستثمار الأميركي في قطاع الطاقة الإيراني.
ويعتبر التقرير، أن تلك اللحظة كانت واحدة من الفرص الضائعة الكبرى. فالعقوبات اللاحقة لم تمنع إيران من السياسات التي أغضبت واشنطن، مثل دعم حلفاء إقليميين كحزب الله، واستئناف برنامجها النووي المتعثر. لكنها في المقابل شوّهت الاقتصاد الإيراني وفتحت المجال أمام شبكات الفساد ومهربي العقوبات والحرس الثوري، الذي تحول، بحسب التقرير، إلى “جيش يملك دولة”.
ومع الاتفاق النووي عام 2015، دخلت شركات طاقة غربية إلى طهران أملاً في الاستفادة من عقود جديدة لتطوير النفط والغاز. لكن المفاوضات كانت بطيئة ومعقدة، ولم يتحقق تقدم جدي قبل أن ينسحب دونالد ترامب من الاتفاق لاحقاً.
ويرى التقرير، أن الفشل لم يكن سياسياً فقط، بل استراتيجياً أيضاً. فالاتفاق النووي كان تقنياً للغاية، ركّز على تفاصيل البرنامج النووي، لكنه لم يخلق شبكة مصالح اقتصادية وسياسية داخل إيران والولايات المتحدة تحميه وتدافع عن استمراره.
أما هذه المرة، فإن إيران تحتاج إلى ما هو أوسع من تخفيف عقوبات. تحتاج، وفق التقرير، إلى إعادة دمج نفسها في الاقتصاد العالمي والإقليمي. فهذا المسار قد يخفف الأزمة المعيشية في الداخل، ويحسن علاقاتها مع الجيران، ويقلل احتمال العودة إلى العقوبات والحرب.
ويشير التقرير، إلى أن إدارة ترامب أظهرت اهتماماً واضحاً بمنطق الصفقات، حتى مع الخصوم السابقين. وفي دول مثل فنزويلا وسوريا والعراق والكونغو الديمقراطية، ارتبطت العلاقات الجيدة مع واشنطن، في حالات عدة، بفتح المجال أمام شركات أميركية مفضلة في قطاعات النفط والغاز والمعادن.
لكن الكاتب يشكك في الرقم الكبير المرتبط بصندوق استثماري بقيمة 300 مليار دولار، معتبراً أن مثل هذه الأرقام غالباً ما تكون مبالغاً فيها أو أقرب إلى الوعود السياسية. ومع ذلك، يرى أن المال يمكن أن يأتي فعلاً إذا خففت واشنطن العقوبات، وإذا وجهت إيران دعوة جدية إلى الشركات للاستثمار.
فإيران، وفق التقرير، تملك عناصر جذب كبيرة: 93 مليون نسمة، مستوى تعليمي جيد، موقع جغرافي استراتيجي، ثروات من النفط والغاز والمعادن، قاعدة صناعية واسعة وإن كانت متعبة، إضافة إلى عمق ثقافي وحضاري يمنحها قدرة على استعادة موقعها إذا أُديرت الفرصة بشكل صحيح.
وتحتاج إيران إلى استثمارات ضخمة في قطاع الطاقة. فحقول النفط القديمة بحاجة إلى تحسين عمليات الاستخراج، وحقول غرب كارون قرب الحدود العراقية تحتاج إلى تطوير، في حين أن إنتاج الغاز، رغم امتلاك إيران ثاني أكبر احتياطي في العالم، يقترب من مرحلة تراجع خطيرة بسبب انخفاض ضغط المكامن.
وتعاني البلاد أيضاً من نقص متكرر في الغاز خلال الشتاء، وعجز في الكهرباء خلال الصيف، إلى جانب دعم واسع للوقود والغاز والكهرباء والمياه يؤدي إلى الهدر. كما ساهمت السدود غير المدروسة في تفاقم أزمة المياه.
ورغم امتلاك إيران مساحات صحراوية مشمسة ورياحاً مناسبة، لا تزال استثماراتها في الطاقة المتجددة محدودة للغاية. ويرى التقرير، أن موقعها الجغرافي يمكن أن يحوّلها إلى عقدة وصل بين موارد الكهرباء والغاز في آسيا الوسطى وبحر قزوين والخليج، وبين أسواق جنوب آسيا وتركيا وأوروبا.
وفي هذا السياق، يشير التقرير، إلى اهتمام قطر بربط شبكتها الكهربائية بإيران، وهو ما قد يربط إيران عملياً بشبكة مجلس التعاون الخليجي. ويرى التقرير، أن مثل هذه المشاريع قد تفيد دول الخليج أيضاً، لأنها تحوّل خصماً معزولاً وخطراً إلى جار طبيعي يمكن التعامل معه اقتصادياً.
ويمكن لشركات خليجية مثل “مصدر” و”طاقة” و”XRG” في أبوظبي، أو “أكوا باور” و”معادن” في السعودية، أن تلعب دوراً مهماً في هذا المسار، سواء عبر الاستثمار في الطاقة أو البنية التحتية أو التعدين. وفي المقابل، ستستفيد دولها من التجارة والخدمات والعوائد الاستثمارية.
لكن التقرير، يحذر من أن إيران ستبقى بيئة صعبة للأعمال. فالقمع السياسي لم يتوقف، والقرارات الاقتصادية قد تخضع لحسابات أمنية أو قومية، والشركات الحكومية تميل إلى إطالة المفاوضات وطلب شروط غير واقعية.
كما أن الحرس الثوري وشركاته، خصوصاً ذراعه الإنشائية “خاتم الأنبياء”، إضافة إلى مؤسسات اقتصادية مرتبطة بالمرشد الأعلى، ستبقى حاضرة بقوة. وهذه الجهات قد تحاول احتكار العقود، وإبعاد المنافسة الأجنبية، وعرقلة الممارسات التجارية السليمة.
ويشير التقرير، إلى أن محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان والشخصية البارزة في القيادة الإيرانية الجديدة، قد يكون عاملاً حاسماً. فهو وقّع الاتفاق عن الجانب الإيراني، لكنه في الوقت نفسه قائد سابق في الحرس الثوري ومدير سابق في “خاتم الأنبياء”، كما أن فترة توليه بلدية طهران ارتبطت باتهامات بصفقات مثيرة للجدل. لذلك، قد يكون قاليباف إما بوابة نحو إيران أكثر انفتاحاً على الأعمال، أو عقبة أمامها.
ولا يدعو التقرير، إلى الاعتقاد الساذج بأن الانفتاح الاقتصادي يؤدي تلقائياً إلى السلام أو تحرير الأنظمة. لكنه يؤكد أن سياسة العقوبات والمواجهة اختُبرت طويلاً ووصلت إلى حدودها.
الخلاصة أن إيران وواشنطن ودول الخليج تقف اليوم أمام فرصة نادرة. فإذا استطاعت طهران أن تتعامل مع الاتفاق كمدخل إلى إصلاح اقتصادي حقيقي، لا كغنيمة سياسية مؤقتة، فقد يتحول التفاهم مع الولايات المتحدة إلى بداية مسار استقرار طويل.
أما إذا بقيت عقلية الاحتكار والفساد والحسابات الأمنية القديمة تتحكم بالاقتصاد، فقد تهدر إيران مرة أخرى فرصة كبيرة، كما فعلت في محطات سابقة. وهذه المرة، قد تكون الكلفة أعلى، لأن الداخل الإيراني لم يعد يحتمل سنوات إضافية من العزلة والانهيار.












اترك ردك