“اجتماع فلوريدا” لتمرير الوقت أم لتفعيل”اتفاق الإطار”؟

يخشى لبنان أن يشكّل الاجتماع العسكري اللبناني – الإسرائيلي، برعاية أميركية في فلوريدا في 20 تشرين الأول الحالي، محطة لتمرير الوقت ريثما تجرى انتخابات الكنيست في إسرائيل في 27 منه، و«النصفية الأميركية» في الثالث من تشرين الثاني المقبل، معوّلاً على التدخّل الأميركي لتفعيل تطبيق «اتفاق الإطار».

وقالت مصادر ديبلوماسية ل «الجمهورية»: تبدو هذه الجولة التفاوضية اختباراً استراتيجياً صُمّم لإحراج لبنان وحشره في مربع الشروط المسبقة، قبيل انتخابات الكنيست الإسرائيلي المقرّرة بعد أسبوع.
ويكمن مأزق لبنان، وفق المصادر، في أنه لا يستطيع الإمتناع عن المشاركة في الجولة الموعودة، ولو اعترض على الشروط التعجيزية. وحاول تجنّب إعطاء بنيامين نتنياهو هدية انتخابية، إذ ستسارع واشنطن وتل أبيب حينذاك إلى تحميله مسؤولية تعطيل «صيغة الإطار» وإفراغه من محتواه. ويُتيح هذا السيناريو لإسرائيل التحلّل الكامل من أي التزامات دولية، واستغلال الفراغ الميداني، لتثبيت واقع «الخط الأصفر» بفرضية أنه واقع جغرافي ـ أمني اضطراري لحماية شمالها.
وإذ تصرّ واشنطن على جعل اللقاء محصوراً بالشق الفني ـ العسكري، تحت مظلة القيادة المركزية الأميركية، سيواجه الوفد اللبناني مطالبات إسرائيلية ـ أميركية صارمة، بتقديم «جداول زمنية وتعهدات علانية لسحب سلاح حزب الله»، وإخفاق لبنان الرسمي في إطلاق برمجة جديّة لنزع هذا السلاح، سيمنح تل أبيب الذريعة لرفض أي انسحاب من مناطق تجريبية جديدة، وتحويل المفاوضات إلى منصة لتثبيت الإبتزاز الإسرائيلي، خصوصاً في ظل ما روّجته وسائل إعلام إسرائيلية أمس، عن أن «حزب الله» يعيد توزيع قدراته العسكرية نحو مناطق أعمق، في إقليم التفاح وجبل الريحان وجبل صافي. ولهذا التسريب مغزاه العميق في كشف الخطوات الإسرائيلية المحتملة في مرحلة لاحقة.

غير أن مصدراً ديبلوماسياً متابعاً قال لـ«الجمهورية»، إن جولة تامبا المقبلة لا ينبغي مقاربتها باعتبارها استئنافاً شكلياً للمفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية، بل باعتبارها اختباراً عملياً لما إذا كان «اتفاق الإطار» الذي رعته الولايات المتحدة الأميركية قادراً على الانتقال من مستوى التفاهمات العامة إلى ترتيبات ميدانية قابلة للتنفيذ.
وبحسب المصدر، فإن الاجتماع العسكري المرتقب في مقر القيادة المركزية الأميركية في تامبا بين 20 و22 تشرين الأول، والذي يُرجّح أن يترأس الوفد اللبناني فيه السفير سيمون كرم بمشاركة السفيرة ندى حمادة معوّض، سيتركز بصورة أساسية على رسم خريطة طريق متدرّجة: أين يبدأ الانسحاب الإسرائيلي، كيف يتزامن مع انتشار الجيش اللبناني، وما هي آلية التحقق من حصر السلاح وفرض سلطة الدولة في كل منطقة يجري إخلاؤها.
ويشير المصدر، إلى أن «المناطق التجريبية» لم تسقط من الحسابات، بل تحوّلت المعيار الذي سيُقاس عليه نجاح المسار كله، إذ إن الهدف لم يكن إنشاء جيوب أمنية منفصلة، وإنما اختبار صيغة تسمح بانتقال السيطرة الفعلية من الجيش الإسرائيلي إلى الجيش اللبناني، ثم البناء على نجاحها لتوسيع نطاق الانسحاب والانتشار تدريجياً. وهذا تحديداً ما يجعل البحث في منطقة تجريبية جديدة، وربما في محيط تلة علي الطاهر، وفق أحد الاقتراحات المتداولة، جزءاً من النقاش العسكري المقبل، لا بديلاً من «اتفاق الإطار» أو مساراً تفاوضياً جديداً.
ويضيف المصدر، أن «العامل الإسرائيلي الداخلي يفرض سقفا واضحاً على ما يمكن توقعه من تامبا، فإسرائيل ذاهبة إلى انتخابات الكنيست في 27 تشرين الأول، فيما يخوض بنيامين نتنياهو معركة سياسية شديدة الحساسية، ويحاول تثبيت صورته كـ«حامي إسرائيل» في مواجهة خصومه، الأمر الذي يجعل أي انسحاب إسرائيلي واسع قبل الانتخابات قابلاً للاستثمار ضده، باعتباره تنازلاً أمنياً. وقد أظهرت التغطيات الإسرائيلية والدولية، أن الملف الأمني يحتل موقعاً مركزياً في الحملات الانتخابية، وأن نتنياهو يسعى إلى إبقاء النقاش في إطار التهديدات الأمنية ونقاط القوة العسكرية». ولذلك، يقول المصدر، إن «واشنطن لا تراهن بالضرورة على اختراق سياسي كبير قبل 27 تشرين الأول، لكنها تريد منع المسار من الدخول في فراغ تفاوضي طويل إلى حين ظهور الحكومة الإسرائيلية المقبلة، وهو ما يفسّر الدفع في اتجاه جولة عسكرية محدّدة النتائج في تامبا».
وكتبت” الشرق الاوسط”: لبنان يتخوّف من إقحامه بإدارة الأزمة لملء الفراغ، ويسعى من خلال وفده العسكري إلى مفاوضات فلوريدا لإحداث خرق يفتح الباب أمام المضي في تطبيق «اتفاق الإطار»، الذي هو نقطة تقاطع بين رئيس الحكومة نواف سلام، ووزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو في اجتماعهما في واشنطن، بدلاً من أن يشكّل الاجتماع محطة تتطلع إليها واشنطن لتمرير رسالة بأنها ماضية في رعايتها للمفاوضات بصرف النظر عن النتائج التي يمكن أن يتوصل إليها المتفاوضون.
في هذا السياق، قال مصدر لبناني معني بالمفاوضات إن ملء الفراغ بالوقت الضائع بأقل الأضرار يتطلب خفض منسوب التوتر الداخلي، ومنع إسرائيل من توسعة المنطقة الأمنية ليكون في وسع لبنان الصمود حيال إبقاء المفاوضات معلّقة على نتائج الانتخابات في إسرائيل. وأكد أن الاتصالات جارية بين بيروت وواشنطن لتثبيت الموعد النهائي لعقد الاجتماع العسكري الذي يرأسه من الجانب اللبناني رئيس الوفد المفاوض السفير السابق سيمون كرم، بحضور السفيرة ندى حمادة معوض، ومدير العمليات في قيادة الجيش العميد الركن جورج رزق الله، الذي يرأس الفريق العسكري.
ولفت المصدر إلى أن وفد لبنان إلى فلوريدا يراهن على التدخّل الأميركي لإخراج المفاوضات في جولتها الثامنة من المراوحة، وهو يقترح إدراج إطلاق الأسرى اللبنانيين لدى إسرائيل، وحسم الجدل الدائر حول تشكيل «آلية التحقق» من انتشار الجيش اللبناني في «المنطقة التجريبية»، بعد توسيعها والتأكد من خلوها من سلاح «حزب الله» ومقاتليه، وتثبيت وقف النار، على جدول أعمال الاجتماع.
ورأى أن إخراج «آلية التحقق» من التجاذبات يستدعي التوافق على دورها وعلى مَنْ يرأسها، بالإضافة إلى توفير الضمانات بعدم التعرض لفريق المراقبين المنبثق عنها. وهذا هو المطلوب من إسرائيل و«حزب الله»، الذي يواصل حملته على المفاوضات المباشرة ويصر على الاحتفاظ بسلاحه ويطالب بإسقاط «اتفاق الإطار» وربط المسار اللبناني بإيران برهانه على «مذكرة التفاهم» الإيرانية – الأميركية باعتبارها بديلاً عن الاتفاق رغم رفض واشنطن ذلك.
وكشف مصدر دبلوماسي غربي في بيروت، مواكب لأجواء التحضيرات للقاء العسكري، أن نتنياهو ليس في وارد تقديم التسهيلات، فعلاً لا قولاً، للبدء بتطبيق «اتفاق الإطار» قبل اجتيازه الاستحقاق الانتخابي، وبالتالي يرفض التجاوب مع طلب لبنان بتوسعة «المنطقة التجريبية». وقال إن نتنياهو يوافق على توسعتها بشرط أن تقتصر على البلدات الواقعة على الحافة الأمامية لشمال نهر الليطاني التي يسيطر جيشه بالنار على بعضها ويحتل بعضها الآخر.
وأكد المصدر أن تطبيق التلازم بالخطوات، كما يطالب لبنان، يعني من وجهة نظر المجتمع الدولي، وعلى رأسه الولايات المتحدة الأميركية، التوافق على جدول زمني للانسحاب الإسرائيلي، في مقابل وضع خطة لنزع سلاح «حزب الله» على دفعات. وقال إنه لا يؤيد الحملة على الجيش اللبناني واتهامه بالتقصير وتحميله المسؤولية بذريعة تردد قيادته بتطبيق حصرية السلاح بيد الدولة، مضيفاً أن «القرار في هذا الخصوص هو بعهدة مجلس الوزراء مجتمعاً وأن المؤسسة العسكرية تنفّذ ما يتخذه من قرارات، خصوصاً أن لا عودة عن حصرية السلاح بيد الدولة، وهذا ما يؤكده عون في لقاءاته ما بين لبنان والخارج، وهو يحظى بتقدير أممي لموقفه ودعمٍ من غالبية اللبنانيين».