ارحموا طرابلس تنهضوا بلبنان

كتب وزير الثقافة السابق القاضي محمد وسام المرتضى في “الجمهورية”: ثمّة مدن لا تحتاج إلى مَن يخبرها بأنّها تستحق الحياة، بل إلى مَن يكتشف أنّ في حياتها حياةً للبلد كلّه. وطرابلس واحدة من هذه المدن. وليس هذا القول من باب المجاملة؛ فمنذ نحو قرنَين، كان القادمون إليها من بعيد، يرَون فيها ما يبدو أنّنا اعتدنا، من فرط القرب، ألّا نراه. زارها لامارتين فوصفها بأنّها «مدينة جميلة»، ووصفها الرحّالة الإنكليزي جون كارني بأنّها «أجمل مدن بلاد الشام». ولم يكن الرجلان يوزّعان المديح، بل كانا يصفان مدينة استوقفتهما بما فيها من ماء وخضرة وبحر وتجارة وعمران وموقع وحيوية بشرية. فماذا رأى القادمون من بعيد، ولم ترَه السلطة السياسية لاحقاً من قريب؟

رأوا مدينة يجتمع فيها البحر والنهر والمرفأ والتجارة والتاريخ في مساحة واحدة؛ رأوا نهر أبي علي يشقّها حتى يلتحم بالبحر، والجزر والواجهة البحرية والأسواق، وحياة مفتوحة على المتوسط. اليوم، نحن نملك فوق ما رأوه، مقوّمات تجعل من طرابلس، إذا أحسنّا استثمارها، إحدى أهم المدن الاقتصادية والسياحية والثقافية في شرق المتوسط: مرفأ، ومنطقة اقتصادية خاصة، ومنشآت نفطية، ومطار رينيه معوّض في القليعات، وسكّة حديد، ومعرض رشيد كرامي الدولي، ومدينة مملوكية من أغنى المدن التاريخية في المنطقة، فضلاً عن البحر والجزر ونهر أبي علي والحرف والصناعات التقليدية.
ولهذا، حين قلنا إبان عملنا الوزاري، إنّ طرابلس يمكن أن تكون «اسطنبول ثانية»، لم نقصد مقارنة في الحجم أو عدد السكان أو القوّة الاقتصادية، بل نموذج المدينة الكبرى التي تتفاعل فيها الجغرافيا مع الاقتصاد، والتاريخ مع السياحة، والمرفأ مع التجارة، والثقافة مع الحياة. فمرفؤها بوابة تجارية للبنان كلّه، والمنطقة الاقتصادية الخاصة منصّة للصناعة والتجارة والخدمات اللوجستية والاستثمار، والمنشآت النفطية امتداد لموقع المدينة في تاريخ الطاقة في المنطقة، فيما يستطيع مطار القليعات، أن يشكّل منفذاً جوياً حيوياً لشمال لبنان. وحتى سكّة الحديد، التي تبدو اليوم أثراً من زمن مضى، يمكن أن تستعيد دورها ضمن رؤية وطنية حديثة، فتربط طرابلس بالشمال وبسائر لبنان وبمحيطه، وتصل المرفأ بالداخل، وتخفّف الضغط عن الطرق، وتستعيد شيئاً من الترابط الذي فقدته الجغرافيا اللبنانية والدور الاقتصادي الإقليمي الذي كان للبنان قبل الحرب الأهلية. أخبارلبنان اليوم

ثم تأتي طرابلس القديمة، بأسواقها وخاناتها ومساجدها ومدارسها وحمّاماتها وبيوتها، وهي ليست حجارة تحفظ ذاكرة الماضي، بل ثروة حيّة يمكن أن تصنع المستقبل. فالخانات التي كانت تستقبل التجار والمسافرين، يمكن أن تستعيد وظيفة جديدة في السياحة والثقافة، وبيوت المدينة القديمة يمكن أن تتحوَّل، حيث تسمح طبيعتها، إلى بيوت ضيافة تمنح الزائر ما لا يستطيع الفندق التقليدي أن يمنحه: أن يعيش طرابلس من داخلها. ويمكن عندها أن تنشأ تجربة سياحية متكاملة: يُقيم الزائر في فندق أو بيت ضيافة، ويمشي في الأسواق، ويدخل الخانات، ويتذوّق مطبخ المدينة، ويكتشف حمّاماتها ومساجدها وكنائسها ومعالمها، ويشتري من حرفييها، ثم ينتقل إلى المعرض أو إلى البحر والجزر. وعندها لا يعود التراث شيئاً نتباهى به، بل يصبح جزءاً من الاقتصاد وحياة الناس ومستقبل المدينة والوطن. وكذلك الحِرف الطرابلسية، من الصابون إلى النحاس والخشب والزجاج وسائر الصناعات التقليدية، يمكن أن تستعيد مكانتها إذا ربطناها بالتصميم الحديث والأسواق السياحية والتجارة الإلكترونية والتصدير.
أمّا معرض رشيد كرامي الدولي، بتصميمه الفريد للمبدع العالمي أوسكار نيماير، مصمِّم مدينة برازيليا، فهو قصة أخرى من قصص الفرص اللبنانية المهدورة. وقد كان لنا شرف المساهمة، إبان عملنا الوزاري، في إدراج هذا المعلم على قائمة التراث العالمي، بمواكبة وتوجيه ورعاية دولة الرئيس نجيب ميقاتي، وبجهود مشكورة لفريق ضمّ، من جملة من ضمّ، المهندسين النقيب جان تابت والدكتور وسيم الناغي، ومستشار الوزير الدكتور فواز كبارة الذي حمل الملف إلى باريس وقدّمه إلى المدير العام للأونيسكو، ورئيسة مندوبية لبنان حينها لدى منظمة الأونيسكو الأستاذة سحر بعاصيري، التي كان لها إسهامها المقدّر في إيصال المشروع إلى الخواتيم المرجوّة. لكنّ قيمة المعرض لا ينبغي أن تختصر في كونه معلماً معمارياً؛ فقاعاته ومرافقه والفندق القائم في حرمه، قادرة على أن تجعله مركزاً دولياً للمؤتمرات والمعارض والفعاليات الثقافية والاقتصادية، وأن تعيد إليه الحياة التي يستحقها.
وحين تتصل هذه العناصر بعضها ببعض، يتغيَّر معنى طرابلس كلّه. لا تبقى مجموعة مقوّمات متفرّقة، بل تصبح مشروعاً متكاملاً ينبغي له أن يغيّر مقاربة الدولة في تعاطيها مع الفيحاء وحرمانِها المزمن: رفع الحرمان واجب طبعاً، لكنّه ليس الرؤية ولا الهدف. على الدولة أن ترى في طرابلس استثمارَ نجاةٍ للبنان. وبدلاً من السؤال: ماذا نعطي المدينة؟ فلنسأل: ماذا يستطيع لبنان أن يكسب إذا استثمر في طرابلس؟ وبماذا يستفيد الوطن كله إذا جمع مقوّماتها ومرافقها في رؤية واحدة، عبر قرار وطني، وإدارة جادّة، وأولويات واضحة، وشراكة حقيقية بين الدولة والقطاع الخاص وأهل المدينة. ولعلّ طرابلس، في بُعدها الإنساني، تحمل للبنان ما هو أبعد من الاقتصاد؛ فهي مدينة ذات أكثرية مسلمة، لكنّها متصلة يومياً بمدن وبلدات وقرى مسيحية في محيطها، يأتيها الناس للعمل والدراسة والتجارة والخدمات، وتفتح أبوابها لجوارها كما يفتح الجوار أبوابه لها. وهذا التداخل الطبيعي، الذي نمارسه أحياناً من دون أن ننتبه إلى قيمته، هو صورة لبنان الذي نريد: مختلفاً من دون أن يكون متعادياً، متنوّعاً من دون أن يكون متنازعاً، ومفتوحاً على جواره من دون أن يفقد هويّته. ولهذا فإنّ النهوض بطرابلس ليس شأناً إنمائياً محضاً؛ إنّه أيضاً استعادة لفكرة لبنان.
لقد كانت طرابلس عاصمة للثقافة العربية، وكانت وما زالت في وجدان اللبنانيّين عاصمة للعلم والتجارة والحِرَفِ والتراث. وهي تستحق أن تبقى عاصمة لبنان الثقافية الدائمة، وفق ما أعلناه في العام 2024، لا بلقب رسمي فقط، بل بما تستعيده من دور، وما تمنحه للبنان من صورة عن نفسه. فطرابلس لا تحتاج إلى أن نخترع لها مستقبلاً بقدر ما نحتاج نحن إلى رؤية مستقبلنا من خلالها. لقد أضاع لبنان جزءاً من فرصته حين أهملها، ويمكنه اليوم أن يستعيد جزءاً من قوته حين يستثمر فيها.

لتنهضوا بلبنان… ارحموا طرابلس رحمةً لا شفقة فيها، ولا منّة، ولا صدقة. فإنّ إنصافها استرداد لفرص تنموية ضائعة، ونهضتها ليست لها وحدها بل للوطن بأسره. ومرّة ثانية ارحموا طرابلس تنهضوا بلبنان.