لكن إغلاق باب الإعدام فتح مباشرة سؤالًا عن الباب الذي حلّ مكانه. فالمجلس لم يستبدل العقوبة بالسجن المؤبد بصيغته الأبسط، وإنما اختار مؤبدًا مشددًا مقترنًا بالأشغال الشاقة، في وقت كانت هيئات حقوقية تطالب بإخراج هذه العقوبة أيضًا من النظام الجزائي. وهنا تصبح المسألة أبعد من إنهاء حق الدولة في إعدام المحكوم إلى تحديد فلسفة العقوبة التي ستقضي بأن يبقى في السجن بقية حياته.
من وقف التنفيذ إلى محو العقوبة
عاش لبنان طوال أكثر من عشرين عامًا مفارقة قانونية واضحة. فالدولة لم تنفذ حكمًا بالإعدام منذ كانون الثاني 2004، لكن المحاكم بقيت قادرة على إصدار العقوبة لأن النصوص التي تفرضها ظلت قائمة. وهكذا تكوّن مع الوقت صف من المحكومين بالإعدام من دون أن تكون هناك إرادة سياسية لتنفيذ أحكامهم، فيما بقي وقف التنفيذ قابلًا نظريًا للعودة عنه ما دامت العقوبة موجودة في التشريع.
المؤبد المشدد.. ماذا بقي من فلسفة العقاب؟
تبدأ المعضلة الثانية من اسم العقوبة الجديدة نفسها. فالأشغال الشاقة ليست غريبة عن قانون العقوبات اللبناني، وقد صدرت بها أحكام عديدة، إلا أن تطبيقها العملي أصبح محدودًا إلى درجة كبيرة. والصيغة الأخيرة التي سبقت التصويت ذهبت أبعد، إذ أنشأت المؤبد المشدد مع الأشغال الشاقة بوصفه العقوبة التي ستحل محل الإعدام، ما أعاد إلى الواجهة سؤالًا قديمًا عن معنى الأشغال الشاقة في سجون لا تملك أصلًا بنية واضحة لتنفيذها.
لا يقلل ذلك من أهمية ما أقره مجلس النواب. فالفرق كبير بين دولة تملك عقوبة الإعدام ولا تستخدمها ودولة تقرر حذفها من تشريعاتها، خصوصًا أن الإلغاء يشمل الأحكام غير المنفذة ولا يترك فئة من المحكومين معلقة تحت عقوبة لم تعد موجودة. لكن هذه الخطوة تكشف في الوقت نفسه أن إصلاح النظام العقابي لا ينتهي عند أعلى درجة في سلّم العقوبات، ليتحوّل النقاش سريعًا إلى ما تعنيه عقوبة المؤبد المشدد، وما الغاية التي يريدها النظام الجزائي من العقوبة بعد أن تخلّى عن إنهاء حياة صاحبها.











اترك ردك