البرازيل بعد فنزويلا.. انتخابات قد تغيّر وجه أميركا الجنوبية

لم تعد الانتخابات الرئاسية البرازيلية شأناً داخلياً محصوراً بالاقتصاد ومستقبل اليسار أو عائلة بولسونارو. فبعد الجولة الأولى التي تصدّرها فلافيو بولسونارو بنحو 47% مقابل نحو 45% للرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، تحولت جولة الإعادة المقررة في 25 تشرين الأول إلى اختبار لموقع البرازيل الجيوسياسي: هل تحافظ أكبر قوة في أميركا الجنوبية على استقلالها النسبي عن واشنطن، أم تتجه نحو تحالف أوثق مع الولايات المتحدة وإسرائيل؟

 

تزداد أهمية الانتخابات بعد التحول الذي شهدته فنزويلا مطلع العام، عندما نفذت الولايات المتحدة عملية عسكرية انتهت باعتقال نيكولاس مادورو ونقله إلى الولايات المتحدة. لولا رفض التدخل وعدّه مساساً بالسيادة، فيما رحبت حكومات يمينية في القارة بسقوط مادورو. ومن هنا تبدو البرازيل الحلقة الأهم في تحديد ما إذا كانت فنزويلا حالة منفردة أم بداية لترتيب إقليمي جديد.

 

أهمية البرازيل لا ترتبط بحجمها فقط، بل بثقلها الاقتصادي والسياسي، وعضويتها في “بريكس” و”ميركوسور” وهو تكتل اقتصادي في أميركا اللاتينية يهدف الى تحقيق التكامل الإقتصادي بين الدول الأعضاء، وشراكتها التجارية الكبيرة مع الصين، إلى جانب علاقاتها المهمة مع الولايات المتحدة. لذلك، فإن تغيير اتجاه برازيليا قد يحرك ميزاناً إقليمياً كاملاً.

 

يقوم تصور لولا على “الاستقلالية الاستراتيجية”: علاقات جيدة مع واشنطن من دون التبعية لها، وشراكة مستمرة مع الصين و”بريكس”، مع تعزيز “ميركوسور” ككتلة إقليمية. وقد لخّص رؤيته بالقول إن “البرازيل لا مكان لها في الحديقة الخلفية لأحد”. ومع ذلك، لا يعني ذلك القطيعة مع واشنطن، إذ واصلت حكومته المفاوضات التجارية معها رغم الخلافات والرسوم الأميركية.

 

في المقابل، يطرح فلافيو بولسونارو توجهاً مختلفاً. فقد تحدث عن بناء “أقوى تحالف محافظ في تاريخ نصف الكرة الغربي”، وعن اتفاق تجاري واسع مع الولايات المتحدة وتعاون في المعادن الحرجة والعناصر الأرضية النادرة. كما دعا إلى تخفيف بعض قيود “ميركوسور” لمنح البرازيل حرية أكبر في عقد اتفاقات تجارية منفردة.

 

ويظهر التباين بوضوح أيضاً في العلاقة مع إسرائيل. فقد شهدت علاقات برازيليا وتل أبيب توتراً في عهد لولا على خلفية حرب غزة، فيما اختار فلافيو إسرائيل وجهة لأول رحلة خارجية له بعد دخوله السباق الرئاسي، وأعلن رغبته في إعادة السفير البرازيلي وطرح نقل السفارة إلى القدس ابتداءً من 2027.

 

لكن نقل السفارة قد يصطدم بالمصالح الاقتصادية البرازيلية مع الدول العربية. فقد استوردت السعودية وحدها أكثر من 2.8 مليار دولار من المنتجات الزراعية البرازيلية خلال 2025، وهو ما يعيد إلى الأذهان تراجع جايير بولسونارو سابقاً عن خطوة مماثلة وسط مخاوف من تداعياتها على الأسواق العربية.

 

أما المعركة الأكبر خلف ذلك فهي الصين. فبكين من أهم الشركاء التجاريين للبرازيل، بينما تسعى واشنطن إلى تقليص النفوذ الصيني في المعادن والطاقة والبنى التحتية. بولسونارو يعرض بلاده كشريك محتمل للولايات المتحدة في هذا المسار، بينما يتمسك لولا بعلاقة استراتيجية مع الصين و”بريكس”، مع إبقاء أبواب واشنطن مفتوحة.

 

لذلك، لا تختصر جولة 25 تشرين الأول سؤال من يحكم البرازيل، بل أي اتجاه ستسلكه أميركا الجنوبية. فبقاء لولا يعني استمرار وجود قطب إقليمي يحتفظ بمسافة عن واشنطن ويتمسك بتعدد الشراكات، بينما قد يقود وصول بولسونارو إلى تقارب أكبر مع الولايات المتحدة وإسرائيل وإعادة النظر في موقع البرازيل داخل “ميركوسور” و”بريكس”.

 

بعد فنزويلا، تصبح البرازيل اختباراً لما إذا كانت القارة ستحتفظ بثقل يوازن النفوذ الأميركي المتصاعد، أم أن أكبر دولها ستتجه بدورها نحو المحور الذي تقوده واشنطن. وعندها، لن تكون النتيجة مجرد تغيير في قصر بلانالتو، بل تحولاً قد يعيد رسم ميزان القوى في أميركا الجنوبية.

المصدر:
خاص “لبنان24”