التنفيذ على طاولة روما… والقرار في واشنطن

مع اقتراب الجولة السادسة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية، المقررة في روما بين 15 و16 تموز الجاري، لم يعد الخلاف يدور حول التفاصيل التقنية المتعلقة بانتشار الجيش، بل حول طبيعة الاتفاق نفسه وآلية تنفيذه، بما في ذلك إمكان تشكيل لجان متخصصة لمعالجة الملفات التقنية، مع بقاء خيار توسيع الوفد اللبناني، الذي يترأسه السفير سيمون كرم، قيد الدرس. وفي هذا الإطار، تتجه الأنظار إلى اللقاء المرتقب بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس العماد جوزاف عون، باعتباره محطة مفصلية ستكشف حجم الالتزام الأميركي بتحويل الضغوط السياسية إلى خطوات عملية تُلزم إسرائيل بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه، وتمنح لبنان ضمانات واضحة لاستكمال الانسحاب الإسرائيلي.

فبينما يتمسك لبنان بمبدأ الانسحاب الإسرائيلي المتزامن مع انتشار الجيش، يعتبر أن أي انتشار في المناطق المشمولة بالاتفاق لا يمكن أن يتم قبل، أو بمعزل عن، انسحاب القوات الإسرائيلية، لأن ذلك يخلق واقعاً أمنياً هشاً ويمنح إسرائيل حق التحكم بمسار التنفيذ. ومن هنا جاء الإصرار الرسمي على اعتماد مبدأ “التزامن”، باعتباره الضمانة الوحيدة لمنع تحويل المناطق التجريبية إلى مناطق أمنية مفتوحة تخضع للشروط الإسرائيلية.

وفي هذا السياق، برز الدور الأميركي بوصفه العامل الأكثر تأثيراً في مسار المفاوضات. فواشنطن لا تخفي رغبتها في إنجاح الاتفاق، باعتباره المدخل الأساسي لتثبيت وقف إطلاق النار واستكمال انتشار الجيش وصولاً إلى الحدود الدولية. ولهذا كثفت ضغوطها على الوفد الإسرائيلي، وأدخلت ملف المناطق التجريبية في صلب جولات التفاوض. وتشير المعطيات إلى أن التفاهم العسكري بين قيادة الجيش والفريق الأميركي المشرف على آلية التنفيذ بات شبه مكتمل، وأن الخطة التنفيذية أصبحت جاهزة من الناحية العملياتية. كما أن البحث لم يعد يقتصر على عدد محدود من البلدات الجنوبية، بل يتجه نحو توسيع نطاق التنفيذ ليشمل بلدات لا تزال تحت الاحتلال، على أن تشرف لجنة تنسيقية مشتركة، برئاسة الجنرال الأميركي جوزف كليرفيلد، على معالجة أي إشكال ميداني قد يعرقل الانتشار.

وترى واشنطن أن نجاح الاتفاق لا ينفصل عن إعادة تثبيت سلطة الدولة اللبنانية، ولذلك تربط دعمها باستكمال انتشار الجيش وحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية. ومن هذا المنطلق، تتعامل الإدارة الأميركية مع الاتفاق باعتباره جزءاً من رؤية أوسع لإعادة ترتيب المشهد الأمني في جنوب لبنان، وليس مجرد تفاهم ميداني محدود. وتتقاطع هذه المقاربة مع سياسة أميركية أوسع تجاه إيران، تقوم على زيادة الضغوط السياسية والعسكرية لدفعها إلى تقليص نفوذها الإقليمي، وخصوصاً في لبنان. فالإدارة الأميركية تعتبر أن أي تدخل إيراني من شأنه تعطيل تنفيذ الاتفاق سيؤخر مسار الاستقرار، ولذلك تسعى إلى الفصل بين الساحة اللبنانية وأي مفاوضات أو تجاذبات إقليمية أخرى.

وتقول مصادر دبلوماسية إن حزب الله يجد نفسه أمام مرحلة مختلفة عن السنوات السابقة، إذ بعد تراجع الخيارات العسكرية، بات مضطراً إلى التعامل مع واقع سياسي جديد يقوم على أولوية التسويات الدبلوماسية. ومن هنا تراهن واشنطن على أن الضغوط المفروضة على طهران ستنعكس تلقائياً على سلوك الحزب، بما يسهل تنفيذ الاتفاق ويمنع العودة إلى دائرة التصعيد.

لكن رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ينظر إلى الاتفاق من زاوية مختلفة. فهو يرفض أي نص أو آلية توحي بانسحاب تدريجي لقواته، ويطرح فكرة اختبار قدرة الجيش اللبناني أولاً داخل البلدات غير المحتلة، قبل الانتقال إلى أي مرحلة أخرى. وتستند هذه المقاربة إلى اعتبارات انتخابية داخلية بقدر ما ترتبط بالحسابات العسكرية، إذ يسعى نتنياهو إلى تجنب تقديم أي خطوة قد تُفسَّر داخلياً على أنها تنازل أمني قبل الانتخابات الإسرائيلية المقبلة. وبذلك، لم تعد العقدة تقنية أو عسكرية، بل أصبحت سياسية بامتياز، تتمثل في رفض نتنياهو منح الاتفاق بُعده التنفيذي الكامل، رغم وجود توافق لبناني – أميركي على آلية التطبيق.
وسط ما تقدم،ستحدد نتائج مفاوضات روما، وما يليها، ما إذا كان الاتفاق سينتقل إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، أم سيبقى رهينة الحسابات الإسرائيلية والتجاذبات الإقليمية.