الجنوب المشتعل… هل يقترب لبنان من لحظة الانفجار؟

من يقرأ البيان اللبناني على أثر الجولة التفاوضية في واشنطن لا يسعه سوى التفاؤل بإمكان التوصّل إلى تسوية قد تكون شبيهة بهدنة العام 1949، مع إدخال بعض التعديلات، التي تفرضها الظروف الدولية والإقليمية، إضافة إلى المتغيّرات الجغرافية والديموغرافية، التي شهدها كل من إسرائيل ولبنان على مدى سنوات طويلة.

أمّا الذي يقرأ في كتاب الوقائع الميدانية على وقع التصعيد الممنهج الذي تعتمده إسرائيل في قصفها للبلدات والقرى الجنوبية والبقاعية، وكذلك الردّ المقابل لـ “حزب الله”، لا يسعه إلاّ أن ينظر إلى المستقبل بعين الريبة، وإلى التطلع إلى ما وراء هذا التصعيد المتبادل من أهداف غير مرئية، ويسأل بالتالي مع السائلين، وهم كثر: ماذا جنى لبنان من هذه الحرب سوى الموت والدمار والخراب والتشريد والمزيد من الانهيار الاقتصادي، فضلًا عن تراجع منسوب الثقة بين اللبنانيين، وبينهم وبين دولتهم؟
أمّا السؤال الأكبر، والذي يسأله كل لبناني حتى الذين هم من البيئة الحاضنة لـ “الثنائي الشيعي”، والذي يبقى من دون جواب واضح وصريح، فهو عن مدى استعداد كل من إسرائيل و”حزب الله” للاقتناع بوقف هذه الحرب المدّمرة، والتي أرهقت لبنان إلى درجة لم يعد في إمكانه النهوض من كبواته المتراكمة، بعدما تفاعلت أزماته الاقتصادية مع ما نتج وينتج عن “مآثر” هذه الحرب، التي لا بدّ من أن تضع في يوم من الأيام أوزارها، مع ما يمكن أن ينتج عنها من جراح لن تندمل مع مرور الوقت. 

لكنّ الأخطر في المشهد الحالي أنّ لبنان يبدو وكأنّه يعيش في منطقة رمادية بين الحرب الكبيرة والشاملة والهدنة الناقصة والهشّة. فلا المفاوضات الجارية نجحت حتى الآن في إنتاج اختراق حقيقي يبدّد هواجس اللبنانيين، ولا الميدان يوحي بأنّ الأطراف المعنية اقتنعت فعليًا بضرورة الانتقال النهائي من منطق المواجهة إلى منطق التسوية. لذلك، فإنّ البلاد تبقى معلّقة على حافة الاحتمالين: تهدئة هشّة قابلة للاهتزاز في أي لحظة، أو انفجار واسع قد تتجاوز تداعياته الحدود اللبنانية.
وفي هذا السياق، تبدو واشنطن وكأنّها تحاول إدارة الأزمة أكثر مما تسعى إلى حلّها جذريًا. فهي تدرك أنّ أي حرب واسعة في لبنان لن تبقى محصورة في الجنوب، بل قد تمتد إلى أكثر من ساحة إقليمية مترابطة، من سوريا إلى العراق والبحر الأحمر، في وقت لا تزال المنطقة تعيش تداعيات الحروب المفتوحة والتوترات المزمنة. ولذلك، فإنّ الهدف الأميركي الحالي يبدو أقرب إلى منع الانفجار الكبير، ولو عبر تفاهمات مرحلية ومؤقتة، ريثما تنضج ظروف تسوية أوسع.
غير أنّ إسرائيل، التي تتحدث باستمرار عن “ضمانات أمنية” وعن ضرورة تغيير الواقع القائم على حدودها الشمالية، لا تبدو مقتنعة بالكامل بأنّ الحلول الديبلوماسية وحدها كافية لتحقيق هذا الهدف. ومن هنا يمكن فهم استمرار سياسة الضغط العسكري الممنهج، سواء عبر الغارات المتواصلة، أو عبر الرسائل الميدانية التي تريد من خلالها فرض وقائع جديدة على الأرض قبل تثبيت أي اتفاق نهائي.
وفي المقابل، يتعامل “حزب الله” مع التصعيد من زاوية مختلفة. فهو يعتبر أنّ أي تراجع تحت وطأة الضغط العسكري الإسرائيلي سيُقرأ كتحوّل في معادلات الردع التي أرساها منذ سنوات، ولذلك يحرص على إبقاء مستوى معيّن من الردود العسكرية، بما يؤكد أنّ الجبهة الجنوبية ما زالت تمتلك عناصر القوة والقدرة على الاستنزاف والمواجهة.
لكن وسط هذا الاشتباك المفتوح سياسيًا وعسكريًا، يبقى لبنان الرسمي والشعبي الحلقة الأضعف. فالدولة التي تحاول إعادة ترميم علاقاتها العربية والدولية، واستعادة شيء من الثقة المالية والاقتصادية، تجد نفسها مجددًا أمام حرب تستنزف ما تبقّى من مقومات الصمود الداخلي. أما اللبنانيون، الذين أنهكتهم الأزمات والانقسامات والهجرة والفقر، فيشعرون أكثر من أي وقت مضى بأنّهم يدفعون ثمن صراعات تتجاوز قدرتهم على الاحتمال.
ومن هنا، فإنّ الخشية الحقيقية لا تكمن فقط في استمرار الحرب، بل في أن يتحوّل لبنان تدريجيًا إلى ساحة دائمة للرسائل الإقليمية والدولية، حيث تبقى التسويات مؤقتة، والهدنات هشّة، والانفجارات مؤجلة لا أكثر ولا أقلّ. وعندها، يصبح السؤال المطروح ليس متى تنتهي هذه الحرب، بل أي لبنان سيبقى بعد انتهائها، وأي دولة ستكون قادرة على النهوض من تحت هذا الكمّ الهائل من الخراب السياسي والاقتصادي والاجتماعي؟