من هنا، فإن أي نقاش حول دور السفراء في لبنان يجب أن ينطلق من مبدأ واضح، وهو أن ما يُعتبر تدخلاً في الشؤون الداخلية إذا صدر عن ممثل دولة معينة، لا يمكن اعتباره موقفاً دبلوماسياً مقبولاً إذا صدر عن ممثل دولة أخرى. فالمعيار لا يكون في هوية الدولة، ولا في قربها أو بعدها عن لبنان، ولا في أصول السفير الشخصية، بل في مدى احترامه للأصول الدبلوماسية وحدود مهمته.
فالسفير، مهما كانت جنسيته أو خلفيته، هو ممثل رسمي لدولته. وجوده في لبنان يستند إلى قواعد محددة، وهي التواصل مع السلطات، نقل مواقف بلاده، وتعزيز العلاقات الثنائية. أما الدخول في تفاصيل الحياة السياسية الداخلية، أو محاولة التأثير في الخيارات الوطنية، فهو أمر يلامس حدوداً دقيقة يفترض أن تحددها الدولة اللبنانية بوضوح وحزم.
المشكلة في لبنان ليست فقط في احتمال تجاوز الأعراف الدبلوماسية، بل في الخطر الأكبر المتمثل بازدواجية المعايير. فعندما تُطبّق القاعدة على سفير، وتُستثنى منها سفارات أخرى، تفقد الدولة جزءاً من صدقيتها، ويصبح مفهوم السيادة خاضعاً للحسابات السياسية بدلًا من أن يكون مبدأ وطنياً جامعاً.
فلبنان الذي يسعى اليوم إلى استعادة دوره ومكانة مؤسساته، يحتاج قبل أي وقت مضى إلى ترسيخ ثقافة الدولة. وهذه الثقافة تبدأ من قاعدة بسيطة، وهي أن لا نفوذ خارج إطار المؤسسات، ولا علاقات خارجية على حساب القرار الوطني، ولا استثناءات عندما يتعلق الأمر باحترام السيادة.
ولا يعني ذلك أن لبنان يجب أن ينغلق على العالم أو يقطع علاقاته مع الدول الصديقة والشقيقة. على العكس، قوة الدولة تظهر في قدرتها على بناء علاقات متوازنة مع الجميع، وعلى استقبال ممثلي الدول باحترام، مع الحفاظ في الوقت نفسه على حقها في رسم حدود واضحة لا يسمح بتجاوزها.
إن احترام السيادة لا يتحقق بالشعارات، بل بوحدة المعايير. فما هو غير مقبول من سفير دولة ما يجب ألا يصبح مقبولاً من سفير دولة أخرى، لأن القانون لا يعرف الأصدقاء والخصوم، بل يعرف فقط دولة تضع قواعدها وتحترمها وتطلب من الآخرين احترامها.
وفي مرحلة يحاول فيها لبنان إعادة تثبيت مؤسساته واستعادة ثقته بنفسه، فإن الامتحان الحقيقي ليس في عدد البيانات التي تصدر دفاعاً عن السيادة، بل في قدرة الدولة على التعامل مع الجميع بالميزان نفسه.
فالسيادة التي تُطبّق على طرف دون آخر ليست سيادة كاملة، والمعايير التي تتغير بتغير الظروف لا تبني دولة. أما الدولة القوية، فهي التي تقول للجميع، بلا استثناء: أهلاً بكل من يحترم لبنان، ولا مكان لمن يتجاوز حدوده.
واستنادًا إلى هذه المبادئ العامة فإن البيان الذي أصدره السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى وأحدث صدمة ممزوجة بالقلق والإحباط، فاجأ الوسط السياسي، خصوصاً أنه جاء عشية انعقاد الجولة السابعة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية في روما للمرة الثانية، وحمل دعوة صريحة بترحيل البحث في توسيع “المناطق التجريبية”، بحسب قوله في بيانه: “هناك فرق بين صياغة الاتفاق وتنفيذه وعدم التسرع بالانتقال للمرحلة التالية من اتفاق الإطار؛ لأنه قد يعرّض المدنيين للخطر، ومن الأفضل منح العملية الوقت الكافي لضمان إنجاحها بالشكل الصحيح”.
ونسأل مع السائلين عن الأسباب الكامنة وراء إصدار هكذا بيان، بدلاً من اعتماد السفير عيسى قنوات التواصل المباشرة بين البلدين لإعلامها بمضمون ما حمله بيانه، خصوصاً أن التوقيت الذي اختاره لتوزيعه يحمل أكثر من سؤال.
فقد استبق عيسى ببيانه ما يمكن أن تتوصل إليه الجولة السابعة، وأخذ على عاتقه إعلان نتائجها قبل انتهائها، ما استدعى تحريك قنوات التواصل بين بيروت وواشنطن للتأكد مما إذا كان يعبّر فيه عن رأيه الشخصي، أو أنه مجرد اجتهاد من عنده، أو مُلزم للإدارة الأميركية، أو جاء بطلب من وزارة الخارجية التي ترعى المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، خصوصًا إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب كان قد صارح رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون في قمة واشنطن، بأنه سيمارس كل أشكال الضغط على رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو للسير بتطبيق “اتفاق الإطار” وعدم الإبقاء عليه معلقاً إلى ما بعد خوضه انتخابات الكنيست في 27 تشرين الأول المقبل.
يبقى أن ما فاجأ المسؤولين اللبنانيين لا يتعلق بمحتويات البيان، وإنما بالأسلوب الذي اتبعه السفير الأميركي في مخاطبته بالعلن للدولة اللبنانية بخلاف الأصول. إلاّ أن هذا لا يعني بالضرورة توتير العلقة الجيدة بين واشنطن وبيروت، خصوصًا في هذا الظرف الدقيق، الذي يمرّ به لبنان، والذي يحتاج فيه إلى الدعم الدولي والأميركي بصورة خاصة لضمان تطبيق مندرجات “اتفاق الإطار”.
السيادة لا تُجزّأ ولا تُقاس بجنسية السفراء

من المسلم به أنه في الدول التي تحترم نفسها، ويُفترض أن يكون لبنان واحدًا منها، لا تكون السيادة شعاراً يُرفع عند الحاجة، ولا موقفاً سياسياً يُستخدم في مواجهة طرف ويتم تجاهله أمام طرف آخر. فالسيادة، قبل أن تكون خطاباً، هي قاعدة ثابتة. فالدولة هي المرجعية الوحيدة على أرضها، والقوانين والأعراف التي تنظّم العلاقات مع الخارج تُطبّق على الجميع من دون استثناء.
ما رأيك؟
رائع0
لم يعجبني0
اعجبني0
غير راضي0
غير جيد0
لم افهم0
لا اهتم0











اترك ردك