وتكتسب هذه التجربة بعداً مختلفاً حين تُقرأ من لبنان، حيث تقول نقابة الأطباء إن نحو 3500 طبيب غادروا البلاد على دفعات منذ نهاية 2019، أي ما يعادل ربع الجسم الطبي أو أكثر، ورغم عودة جزء منهم، فإن العودة تركزت في المستشفيات الكبرى والمدن، ما يُبقي مريضاً في مناطق بعيدة أمام رحلة طويلة ومكلفة لمجرد تجديد وصفة دواء ضغط يتناوله منذ سنوات.
غير أن المشكلة لا تقتصر على نقص الأطباء، بل تمتد إلى كلفة العلاج نفسها، إذ يقرّ وزير الصحة بأن الاعتمادات المخصصة لتغطية الاستشفاء لا تتجاوز ربع الحاجة الفعلية، فيما يخوض الضمان الاجتماعي مواجهة مفتوحة مع مستشفيات تخالف تعرفاته وصلت إلى فسخ عقود، ما يعني أن المريض المضمون نفسه قد يُطالَب بفروقات يعجز عنها. وفي ظل هذا الواقع، باتت الصيدلية بالنسبة إلى شريحة واسعة بديلاً من العيادة، وباتت أدوية كثيرة تُصرف من دون وصفة، فيما يلجأ آخرون إلى محركات البحث وتطبيقات المحادثة الذكية لتفسير أعراضهم أو قراءة نتائج فحوصاتهم قبل أن يقرروا ما إذا كانت زيارة الطبيب ضرورية، وهو سلوك تفرضه الكلفة أكثر مما تفرضه الثقة بالتكنولوجيا، وإن كانت لا تتوافر حتى الآن أرقام تقيس حجمه.
من هنا يقول مصدر طبي تواصل معه “لبنان24″ إن الذكاء الاصطناعي قد يحمل في لبنان فائدة فعلية إذا استُخدم ضمن إطار منظم، كتجديد وصفات أمراض مزمنة مستقرة تحت إشراف طبي ومن خلال مراكز الرعاية الأولية، لكنه قد يتحول في غياب أي تشريع ينظم استخدامه إلى غطاء تقني لفوضى قائمة أصلاً، إذ لا يحدد القانون من يتحمل المسؤولية إذا أخطأ نظام آلي في تشخيص أو وصفة، ولا يضبط مصدر هذه التطبيقات ولا مكان تخزين البيانات الصحية للمرض”.
ويضيف:” يكشف الفارق بين التجربتين أن يوتا اختبرت التكنولوجيا ضمن بيئة رقابية تحدد الأدوية والمراحل والمسؤوليات، فيما يدخل الذكاء الاصطناعي إلى الحياة الصحية للبنانيين من الباب الخلفي، عبر هواتفهم وقبل أي تنظيم، ما يجعل السؤال الأساسي ليس ما إذا كان “الطبيب الآلي” سيصل إلى لبنان، بل ما إذا كانت الدولة ستلحق به قبل أن يدفع المريض ثمن الفراغ”.
في المحصلة، لا يبدو “الطبيب الآلي” بديلاً من الطبيب في لبنان بقدر ما هو اختبار لقدرة الدولة على تنظيم ما يستخدمه اللبنانيون فعلاً. فتجربة يوتا حصرت الأدوية والمراحل والمسؤوليات، وربطت انتقال النظام إلى الوصف الذاتي بإشراف طبي تدريجي، بينما يلجأ مرضى كثيرون في لبنان إلى تطبيقات المحادثة والصيدليات بدافع الكلفة ونقص الأطباء، من دون قانون يحدد من يتحمل مسؤولية الخطأ، ولا جهة تضبط مصدر هذه التطبيقات أو مكان تخزين البيانات الصحية. ولذلك يتوقف نفع هذه التقنية على وجود إطار تشريعي ورقابي يسبقها، وإلا بقي المريض هو من يتحمل نتائج أي خطأ.










اترك ردك