قد لا تبدو الخطورة في ملف متفجرات ضهر البيدر في ضبط هذه الشحنة، بل ما أُثير على أثرها من تداعيات سياسية وأمنية، لا تكمن الخطورة في الشحنة المضبوطة وحدها، ولا في القرار الذي قد تتخذه الحكومة بشأن إحالة القضية على المجلس العدلي، بل في المناخ الذي يحيط بالتحقيق، وفي احتمال تحوّل المساءلة القضائية إلى مواجهة سياسية وطائفية. فالدولة التي تحقق في قضية أمنية بهذه الخطورة لا تكون كمن يعتدي على طائفة بأمها وأبيها، والمحكمة التي تنظر في الأدلة لا تكون كمن يحاكم بيئة اجتماعية، بل يُفترض أن تحدد المسؤوليات الفردية وفق القانون. وكل محاولة لقلب هذه المعادلة تضع العدالة في مواجهة التخويف، والمؤسسات في مواجهة منطق القوة. لكن من المستفيد إذا انكسر هذا التوازن؟
نجزم بأن نقول بأن اسرائيل هي من أبرز المستفيدين من انقسام لبناني واسع. فالدولة التي تتنازعها الجبهات الداخلية يصعب عليها توحيد قرارها، والجيش الذي يُستنزف في احتواء صدام أهلي لن تكون مهمته سهلة في تثبيت الأمن وحماية السيادة. كما أن أي انقسام داخلي حاد قد يضعف الموقف اللبناني المطالب بالانسحاب الإسرائيلي، ويمنح تل أبيب هامشاً أوسع لفرض وقائع ميدانية وسياسية.
ونجزم ايضًا عندما نقول بأن “حزب الله” هو من بين أبرز المستفيدين، لأنه بذلك قد يجد فرصة لإعادة تعبئة جمهوره تحت عنوان الدفاع عن الطائفة ومنع استهدافها، ولتحويل النقاش من حصرية السلاح وقرار الحرب والسلم إلى التخويف من فتنة داخلية. وهذه معادلة قد تمنح الحزب قدرة على تعطيل قرارات لا تناسبه، لكنها تحمل في الوقت نفسه مخاطر على بيئته وعلى موقعه الوطني، لأن أي صدام واسع لن يبقى محصوراً في حدوده السياسية أو الجغرافية، ولن يكون من السهل التحكم بمساره أو بنتائجه.
وهنا تحديداً تكمن المفارقة، إذ قد يعتقد بعض الأطراف أن التلويح بالفتنة يمنحهم قوة تفاوضية إضافية، فيما قد يكتشفون أن السلاح الذي يُستخدم للضغط السياسي يمكن أن يتحول إلى عبء وطني، وأن الخوف الذي يُراد به إخضاع الخصوم قد يدفعهم إلى مزيد من التشدد، بدلاً من التراجع. فالتهديد الداخلي لا يصنع تسوية مستدامة، بل يرفع كلفة التعايش ويضعف الثقة بين اللبنانيين.
أما القوى السياسية الأخرى، فليست كلها خارج دائرة المسؤولية. فثمة من قد يغريه استثمار الأزمة لتصفية حسابات قديمة، أو لتعزيز موقعه الشعبي، أو لتسجيل نقاط على خصومه. غير أن من يعتقد أن انهيار خصمه سيمنحه حكماً مستقراً يخطئ في قراءة التجربة اللبنانية. فالفتنة لا تنتج منتصراً مضموناً؛ إنها تفتح أبواباً يصعب إغلاقها، وتسمح لقوى خارجية بأن تتدخل في بلد يفقد تدريجياً قدرته على إدارة شؤونه بنفسه.
وليس مستبعداً أن تتحول الأزمة اللبنانية، إذا انفجرت داخلياً، إلى ورقة في الحسابات الإقليمية الأوسع، ولا سيما في ظل المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران والتوتر مع إسرائيل. لكن لبنان ليس تفصيلاً قابلاً للاستهلاك في مفاوضات الآخرين، وأي طرف يراهن على تحويله إلى ساحة ضغط إضافية قد يكتشف أن كلفة الفوضى تتجاوز المكاسب التي يكون قد توهّم تحقيقها.
إن المستفيد الحقيقي من الفتنة، إذاً، ليس بالضرورة طرفاً واحداً، ولا يمكن تحديده انطلاقاً من الشعارات وحدها. المستفيد هو كل من يربح من تعطيل الدولة، أو من منع القضاء من أداء دوره، أو من إبقاء السلاح خارج سلطة المؤسسات، أو من تحويل الخلاف السياسي إلى خوف متبادل بين اللبنانيين، فيما الخاسر الأول هو لبنان، لأن الدولة التي تعجز عن التحقيق في قضية أمنية حساسة من دون أن تتعرض للابتزاز أو التهديد، تجد نفسها أمام اختبار يتجاوز هذه القضية إلى جوهر وجودها.
من هنا، لا يجوز للحكومة أن تتعامل مع ملف متفجرات ضهر البيدر باعتباره مجرد بند على جدول أعمال جلسة، ولا يجوز لها في المقابل أن تتخذ قراراً قضائياً تحت ضغط سياسي أو إعلامي. المطلوب أن تسلك القضية مسارها القانوني، وأن تستند أي إحالة إلى الأصول والأدلة والمعايير التي يفرضها القانون، وأن تكون المحاسبة فردية وعادلة، لا انتقامية ولا انتقائية. فحماية السلم الأهلي لا تعني تعطيل العدالة، كما أن تطبيق القانون لا يبرر التحريض على أي مكوّن لبناني.
والأهم أن يبقى الجيش خارج التجاذبات، وأن تُحمى المؤسسة العسكرية من محاولات تحويلها إلى طرف في صراع سياسي. فالجيش ليس أداة في يد فريق ضد آخر، بل هو مؤسسة وطنية يُفترض أن تحمي اللبنانيين جميعاً، وأن تعمل ضمن قرارات الدولة والقانون، لا تحت ضغط التهديدات المتبادلة.
الفتنة الداخلية… المستفيدون كثر والخاسر هو الوطن

الفتنة الداخلية في لبنان ليست مجرد “موّال” يحلو للبعض أن يغنّيه من وقت لآخر، بل هي أخطر ما يمكن أن تواجهه دولة تحاول استعادة قرارها السيادي وسط انقسام عميق حول هوية أي سلاح خارج سلطتها، وحول حصرية قرار الحرب والسلم. وعندما تتراكم التهديدات بالتزامن مع ملفات أمنية حساسة، نسأل عن الجهة المستفيدة أكثر من غيرها إذا انتقل الصراع من المؤسسات إلى الشارع، ومن يربح إذا أصبح اللبنانيون منشغلين بمواجهة بعضهم بعضاً بدلاً من مواجهة أزماتهم الحقيقية؟
ما رأيك؟
رائع0
لم يعجبني0
اعجبني0
غير راضي0
غير جيد0
لم افهم0
لا اهتم0









اترك ردك