في هذا السياق، الاكيد أن مسار التفاوض الإيراني–الأميركي سينعكس على الساحة اللبنانية، وسط دعوات إلى مراقبة ما يجري في إسلام آباد وما يتفرع عنه بين الجانبين، باعتبار أن مخرجاته قد تحدد الوجهة الاستراتيجية للمنطقة، ولا سيما لبنان في المرحلة المقبلة.
فلبنان، الذي يستعد للدخول في جولة جديدة من التفاوض مع إسرائيل برعاية أميركية، يضع تثبيت وقف إطلاق النار كشرط أساسي تُبنى عليه أي عملية سياسية أو أمنية. والتصعيد الإسرائيلي الأخير وما خلّفه من مجازر ودمار، وضع الإدارة الأميركية أمام اختبار جدي لمدى قدرتها على إلزام إسرائيل بوقف العمليات العسكرية قبل انطلاق المفاوضات المرتقبة. وفي هذا الإطار، يواصل رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون مساعيه للحصول على ضمانات أميركية واضحة تمنع استمرار الضغط العسكري على لبنان خلال المرحلة التفاوضية.
ويؤكد لبنان الرسمي أن أي مفاوضات لا يمكن أن تنطلق في ظل استمرار القصف، ما دفع رئيس الجمهورية إلى التشديد على أن الوفد اللبناني سيضع بند تثبيت وقف إطلاق النار في صدارة جدول الأعمال إذا لم يحسم الأمر مسبقا. وفي تطور لافت، تقرر رفع مستوى التمثيل في المحادثات، حيث سيترأس السفير سيمون كرم الوفد في الجولة الثالثة التي تنطلق يوم الخميس، في خطوة اعتبرت مؤشرا على جدية المسار التفاوضي وتجنبًا لانتقاله إلى مستويات سياسية أكثر تعقيدًا. وخلال هذه الجولة، سيطلب لبنان خفض التصعيد والعودة إلى ما قبل 2 آذار كخطوة تمهيدية لاستكمال المفاوضات، في وقت ينظر فيه إلى رفع مستوى التمثيل كمؤشر على أن مسار التفاوض بات خيارًا غير قابل للتراجع.
وفيما أشارت الخارجية الأميركية إلى أن جدول الأعمال يتضمن مناقشة آليات تحقيق سلام دائم، وترتيبات أمنية مستدامة، واستعادة السيادة اللبنانية الكاملة، إلى جانب ملف ترسيم الحدود وسبل دعم جهود الإغاثة وإعادة الإعمار داخل لبنان، تتمسك الورقة اللبنانية بمجموعة مطالب مترابطة، أبرزها: وقف إطلاق النار بشكل دائم، إطلاق الأسرى، الانسحاب الإسرائيلي الكامل، إعادة الإعمار، وانتشار الجيش اللبناني حتى الحدود الدولية. ويعتبر لبنان الرسمي أن الالتزام الإسرائيلي بالانسحاب سيفتح الباب أمام تعزيز أوراق القوة في ملف حصرية السلاح، وإطلاق نقاش جدي مع حزب الله حول مستقبل سلاحه ضمن جدول زمني متدرج ومتزامن مع تنفيذ الالتزامات الإسرائيلية.
في هذا الوقت، تبدو العلاقة بين الرئاسة الأولى وحزب الله في حالة جمود سياسي بعد التوترات الأخيرة. فرغم الحديث عن إعادة فتح قنوات التواصل عبر المستشارين، هناك نفي من قبل الحزب لعودة التواصل. ومع ذلك، يرى الحزب أن بعض المواقف الرسمية الأخيرة تحمل إشارات إيجابية لجهة إدراك ضرورة إعادة ضبط الإيقاع التفاوضي، لكنها تبقى غير كافية ما لم تُترجم إلى سياسة واضحة تقوم على حماية عناصر القوة الوطنية وعدم التفريط بها. كما يرى الحزب أن أي مقاربة للملف اللبناني–الإسرائيلي يجب أن تنطلق أولًا من وقف شامل للعدوان والاستهدافات، قبل الدخول في أي مسار سياسي أو تفاوضي، علمًا أن الحزب يراقب مجريات المفاوضات الأميركية–الإيرانية باعتبارها عاملًا مؤثرًا في مستقبل الوضع اللبناني، انطلاقًا من قناعة بأن أي تفاهم بين واشنطن وطهران سينعكس مباشرة على الداخل اللبناني.












اترك ردك