“اليونيفيل” في جنوب لبنان… 48 عاماً من مهمة لم تكتمل

في 23 آذار 1978، وصلت طلائع قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان “اليونيفيل” إلى جنوب لبنان، بعد أربعة أيام فقط على صدور قراري مجلس الأمن 425 و426 اللذين أنشأا القوة في أعقاب الاجتياح الإسرائيلي للجنوب. ومنذ ذلك التاريخ، تحولت “اليونيفيل” من قوة يفترض أن تكون مؤقتة ومهمتها محددة، إلى واحدة من أطول بعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في العالم.

كانت المهمة الأصلية واضحة ومحددة بثلاثة أهداف: تأكيد انسحاب القوات الإسرائيلية من لبنان، إعادة السلام والأمن الدوليين، ومساعدة الحكومة اللبنانية على استعادة سلطتها الفعلية في الجنوب. ولم تكن القوة في أصل تفويضها قوة عسكرية لفرض الأمن الداخلي أو نزع سلاح التنظيمات، بل قوة دولية لمواكبة الانسحاب والمساعدة في إعادة سلطة الدولة اللبنانية.
لكن الواقع الميداني سرعان ما جعل المهمة أكثر تعقيداً من النصوص الدولية. ففي عام 1982، اجتاحت إسرائيل لبنان ووصلت إلى بيروت، فيما وجدت “اليونيفيل” نفسها خلف الخطوط الإسرائيلية، واقتصر دورها إلى حد كبير على الحماية والمساعدة الإنسانية للسكان في المناطق التي استطاعت الوصول إليها. وفي عام 1985 نفذت إسرائيل انسحاباً جزئياً، لكنها أبقت سيطرتها على منطقة في الجنوب، في وقت استمرت المواجهات بين الجيش الإسرائيلي والقوى المتحالفة معه من جهة، والمجموعات اللبنانية المسلحة من جهة أخرى.

طوال هذه المرحلة، بقيت “اليونيفيل” موجودة على رغم محدودية قدرتها على تنفيذ كامل مهمتها. وكانت ولايتها تُجدّد بصورة دورية بناءً على طلب الحكومة اللبنانية، فيما حافظ مجلس الأمن على الهدف الأساسي المتمثل في استعادة سيادة الدولة اللبنانية على الجنوب.
عام 2000… الانسحاب الإسرائيلي واختبار جديد
شكّل العام 2000 نقطة تحول أساسية. ففي أيار من ذلك العام، انسحبت إسرائيل من معظم الأراضي التي كانت تحتلها في الجنوب، وأقرت الأمم المتحدة ما عُرف لاحقاً بـ «الخط الأزرق» لتأكيد خط الانسحاب. ولم يكن هذا الخط حدوداً دولية نهائية بين لبنان وإسرائيل، بل خطاً حددته الأمم المتحدة لأغراض التحقق من الانسحاب.
بعد الانسحاب، أعيد تنظيم انتشار «اليونيفيل»، وأصبحت مهمتها الأساسية مراقبة الخط الأزرق، معالجة الخروقات، والحفاظ على الهدوء، بالتوازي مع دعوات مجلس الأمن المتكررة إلى الحكومة اللبنانية لنشر قواتها واستعادة سلطتها في الجنوب.
لكن المرحلة الجديدة كشفت أيضاً حدود المهمة. فقد استمرت التوترات، خصوصاً في منطقة مزارع شبعا، وسُجلت خروقات جوية إسرائيلية وعمليات إطلاق نار من الجانب اللبناني. وبقيت «اليونيفيل» تعمل أساساً على منع التصعيد ومعالجة الحوادث، من دون أن تتحول إلى قوة تفرض ترتيبات سياسية أو عسكرية على الأطراف.
2006 اليونيفيل الجديدة
جاءت حرب تموز 2006 لتغيّر طبيعة القوة بصورة جذرية. فبعد الحرب، أصدر مجلس الأمن القرار 1701 في 11 آب 2006، ودعا إلى وقف الأعمال العدائية، وإلى انتشار الجيش في الجنوب بالتعاون مع «اليونيفيل»، بالتزامن مع انسحاب القوات الإسرائيلية. كما رفع سقف عديد «اليونيفيل» إلى 15 ألف جندي، ووسّع نطاق مهمتها.
ومنذ ذلك التاريخ، لم تعد «اليونيفيل» تقوم فقط بمراقبة وقف إطلاق النار. أصبحت مهمتها تشمل مراقبة وقف الأعمال العدائية، دعم انتشار الجيش في الجنوب وعلى طول الخط الأزرق، المساعدة في إنشاء منطقة بين الخط الأزرق ونهر الليطاني خالية من أي أفراد مسلحين أو أسلحة ومعدات عسكرية غير التابعة للحكومة اللبنانية أو «اليونيفيل»، والمساعدة في حماية المدنيين وتأمين وصول المساعدات الإنسانية.
كما أُنشئت القوة البحرية التابعة لـ«اليونيفيل» بناءً على طلب الحكومة اللبنانية، للمساعدة في مراقبة المياه الإقليمية ودعم البحرية اللبنانية ومنع دخول الأسلحة أو المعدات ذات الصلة بصورة غير مصرح بها.

من القوة الدولية إلى شريك للجيش

أحد أهم التحولات التي أحدثها القرار 1701 كان ربط عمل «اليونيفيل» مباشرة بانتشار الجيش .
وبعد حرب 2006، قررت الحكومة اللبنانية نشر نحو 15 ألف جندي في الجنوب، فيما رافقت «اليونيفيل» هذا الانتشار ودعمته. وتقول الأمم المتحدة إن هذا الانتشار شكّل عودة تاريخية للجيش إلى الجنوب بعد غياب استمر عقوداً.
ومنذ ذلك الحين، أصبحت الدوريات المشتركة، ونقاط المراقبة، والتنسيق بين الجيش و«اليونيفيل» جزءاً ثابتاً من المشهد الأمني في الجنوب.
كما اضطلعت «اليونيفيل» بدور واسع في إزالة الألغام والقنابل غير المنفجرة. ووفق بيانات الأمم المتحدة، ساهمت فرقها منذ حرب 2006 في تطهير ملايين الأمتار المربعة وإزالة عشرات آلاف الذخائر غير المنفجرة والألغام.

2006 ـ 2026… مهمة بين الهدوء والحرب

على مدى السنوات التالية، شكل وجود «اليونيفيل» أحد عناصر الاستقرار في الجنوب، من خلال الدوريات ومراقبة الخط الأزرق والتواصل مع الجيش والعدو الإسرائيلي عبر الآليات المعتمدة.
لكن المهمة لم تكن خالية من التوترات. فقد تعرضت مواقع ودوريات القوة لحوادث متكررة، كما وقعت مواجهات واحتكاكات مع السكان المحليين في بعض المناطق، بالتوازي مع اتهامات متبادلة بشأن حرية الحركة وتفسير حدود التفويض.
ومع ذلك، بقي القرار 1701 الإطار الدولي الأساسي الذي يحكم عمل القوة، وبقيت «اليونيفيل» تعمل إلى جانب الجيش اللبناني، وليس بديلاً عنه. وتؤكد الأمم المتحدة أن الجيش يتحمل المسؤولية الرئيسية عن الأمن في منطقة الجنوب، فيما تعمل «اليونيفيل» كقوة دعم له.

النهاية… أم إعادة صياغة المهمة؟

في 28 آب 2025، قرر مجلس الأمن تمديد ولاية «اليونيفيل» للمرة الأخيرة حتى 31 كانون الأول 2026، على أن يلي ذلك انسحاب منظم وآمن للقوة خلال عام. وبذلك دخلت المهمة، للمرة الأولى منذ تأسيسها عام 1978، مرحلة النهاية المعلنة.
لكن انتهاء «اليونيفيل» لا يعني بالضرورة انتهاء الحاجة إلى آلية دولية أو متعددة الجنسيات في الجنوب. فالسؤال الذي انتقل إلى صلب النقاش اللبناني والدولي هو: ماذا بعد اليونيفيل؟
فبينما تؤكد قرارات الأمم المتحدة أن الهدف النهائي هو أن تتولى الحكومة اللبنانية مسؤولية الأمن في الجنوب، برزت أفكار مختلفة حول مرحلة انتقالية يمكن أن تدعم الجيش وتساعد في مراقبة الترتيبات الأمنية وتثبيت الاستقرار.
وهنا تعود «اليونيفيل» إلى نقطة البداية نفسها التي أنشئت من أجلها عام 1978: مساعدة الدولة اللبنانية على بسط سلطتها في الجنوب.
لكن الفارق أن المهمة التي بدأت قبل 48 عاماً لتأكيد انسحاب إسرائيلي أصبحت اليوم تنتهي في وقت لا يزال فيه ملف الانسحاب الإسرائيلي، وانتشار الجيش ومراقبة الخط الأزرق، ومنع وجود السلاح خارج سلطة الدولة، ملفات أساسية في المعادلة الجنوبية.
وبين البداية والنهاية، تغيرت «اليونيفيل» مرات عدة: من قوة مؤقتة عام 1978، إلى قوة محدودة خلال سنوات الاحتلال، إلى قوة تراقب الانسحاب عام 2000، ثم إلى قوة معززة ذات تفويض أوسع بعد حرب 2006.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط ماذا فعلت اليونيفيل طوال 48 عاماً؟ بل أيضاً: هل انتهت مهمتها لأن الظروف التي أنشئت من أجلها انتهت، أم لأن المرحلة المقبلة تحتاج إلى صيغة أمنية مختلفة؟
فما بعد 31 كانون الأول 2026 لن يكون مجرد خروج لقوة أممية من الجنوب، بل اختباراً لما إذا كان الجيش قادراً على الانتقال من موقع الشريك الأساسي لـ«اليونيفيل» إلى صاحب المسؤولية الأمنية الأولى والوحيدة في الجنوب.