بعد تمكّنها من الحفاظ على أهم أصولها في سوريا.. روسيا تُخالف التوقعات

ذكر موقع “South China Morning Post” الصيني أن “روسيا تُخالف التوقعات التي أشارت إلى أن نفوذها في الشرق الأوسط سينخفض بشكل كبير بعد سقوط نظام الأسد في سوريا عام 2024. في ذلك الوقت، كانت موسكو تدير حوالي 100 منشأة عسكرية في البلد الذي مزقته الحرب، وذلك في أعقاب تدخلها في الصراع الأهلي السوري منذ عام 2015 لدعم الرئيس آنذاك بشار الأسد بالتحالف مع إيران ووكلائها الإقليميين. وعندما اضطر الأسد إلى الفرار إلى موسكو، وسيطرة الرئيس الحالي أحمد الشرع على معظم سوريا، بدت روسيا على وشك أن تفقد القواعد الجوية والبحرية التي مكنتها من بسط نفوذها في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا”.

وبحسب الموقع: “بدلاً من ذلك، تمكنت حكومة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من الحفاظ على أهم أصولها في سوريا: قاعدة حميميم الجوية وجزء من ميناء طرطوس، القاعدة البحرية الروسية الوحيدة في المياه الدافئة على البحر الأبيض المتوسط. وبحسب اتفاق أعلنته وزارة الخارجية السورية يوم الأحد، سيتم تحويل القاعدتين العسكريتين الرسميتين الروسيتين الوحيدتين خارج الاتحاد السوفيتي السابق إلى “مراكز تدريب وبناء قدرات مشتركة، ضمن ترتيبات جديدة تحافظ على المصالح المشتركة”. ولم تُقدّم تفاصيل إضافية، لكنّ التقارير تشير إلى أن الوحدات العسكرية الروسية ستبقى في كلا الموقعين بموجب الترتيب الجديد. مع ذلك، ستُعاد السيطرة الإدارية على القاعدتين إلى الحكومة السورية، إلى جانب مطار حميميم المدني ورصيف مخصص في ميناء طرطوس، وهو ما يعكس وضع روسيا المُهمّش، وفقًا لكارولين روز، المديرة التنفيذية لمركز صوفان، وهو مركز أبحاث مقره نيويورك”.

هدف روسيا

وتابع الموقع: “أوضحت روز أن هدف روسيا الحالي هو الحفاظ على وجودها العسكري، مع إعطاء الأولوية لوجودها على طول الساحل السوري لضمان الوصول إلى الموانئ ذات المياه الدافئة. وقال إميل أفدالياني، أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة الأوروبية في تبليسي، إن الحفاظ على القواعد السورية وإعادة توظيفها يُظهر قدرة موسكو على حماية أصولها الاستراتيجية حتى بعد سقوط الأسد؛ هذا يعني أن روسيا أصبحت الآن “قوة ثانوية مهمة” في الشرق الأوسط، “بدلاً من كونها قوة مؤثرة رئيسية”، على الرغم من أن الحرب الأوكرانية قد قلّصت قدرة موسكو على بسط نفوذها، وفقًا لأفدالياني.  وقالت روز إن روسيا “تتبنى استراتيجية طويلة الأمد” نظرًا لعجزها عن توسيع وجودها بشكل كبير في الشرق الأوسط في وقتٍ فرضت فيه الحرب مع أوكرانيا ضغطًا هائلاً على كوادرها ومواردها”.

وأضاف الموقع: “يسعى بوتين إلى استغلال تراجع مصداقية الولايات المتحدة في المنطقة منذ شنّها حربها ضد إيران إلى جانب إسرائيل في 28 شباط؛ ويقول المحللون إن إخفاقات واشنطن اللاحقة في ضمان أمن دول الخليج العربية من الرد الإيراني ومنع حصار مضيق هرمز قد أتاحت مساحة سياسية أكبر للصين وروسيا، على الرغم من أن أياً منهما لا يملك القدرة ولا الرغبة في الحلول محل الولايات المتحدة كضامن لأمن المنطقة. وبدلاً من ذلك، تسعى روسيا إلى الحفاظ على وجودها وشراكاتها مع دول الشرق الأوسط في الوقت الذي تتراجع فيه الولايات المتحدة عن المنطقة، وفقًا لروز. وبصفتها ثاني أكبر مُصدّر للنفط في العالم وعضواً في تحالف أوبك+ مع منتجي الخليج، تستطيع روسيا، بحسب روز، “التأثير على أسعار الطاقة ومستويات الإنتاج، وبالتالي مواجهة آثار العقوبات الغربية” المفروضة على موسكو. ونظراً لقرب موانئها الروسية على البحر الأسود من شرق المتوسط، تُعدّ موسكو مورداً رئيسياً للنفط الخام والمنتجات البترولية المكررة إلى تركيا وبلاد الشام”.

أكبر مورد للطاقة النووية

وبحسب الموقع: “تُعدّ روسيا أكبر مُورّد ومُشغّل لمفاعلات الطاقة النووية المدنية في الشرق الأوسط، ويتزايد الطلب عليها مع تحوّل دول المنطقة إلى مصادر الطاقة المتجددة؛ وتُشغّل شركة روساتوم الحكومية مفاعلاً نووياً بالقرب من مدينة بوشهر الإيرانية منذ عام 2013، وقد وقّعت اتفاقيات بمليارات الدولارات مع طهران لبناء ثمانية مفاعلات أخرى بحلول عام 2040. كما وتقوم شركة روساتوم أيضاً ببناء مجمعين نوويين بقدرة غيغاوات في مصر وتركيا بموجب اتفاقيات تبلغ قيمة كل منهما 20 مليار دولار أميركي، وقد وقّعت مذكرات تفاهم مع نظيراتها في السعودية والعراق والأردن لمشاريع مماثلة. ووفقاً لأفدالياني، تُعدّ روساتوم وسيلةً لحكومات الشرق الأوسط لتنويع شراكاتها النووية لتشمل مصادر أخرى غير الموردين الغربيين والصينيين. ومن بين العوامل الرئيسية التي جذبت شركاء روساتوم، عدم وجود “شروط سياسية” في صفقاتها، والتي غالباً ما تُلاحظ في العقود الغربية، حيث شملت مجالاتٍ تتراوح بين الإنشاءات وتوريد الوقود والتدريب، فضلاً عن مرونة الشركة في ما يتعلق بأحجام المفاعلات وترتيبات التمويل، كما قال أفدالياني. وأضاف أن توسع روساتوم الإقليمي يندرج ضمن توجه روسيا الأوسع نحو الجنوب العالمي، في أعقاب قطعها شبه التام للعلاقات مع الغرب على خلفية غزوها لأوكرانيا”. 

وتابع الموقع: “تنسجم مشاريع الطاقة النووية تمامًا مع هذا النهج، إذ ستُقيّد الدول الموقعة على الاتفاقية بـ”اعتماد طويل الأمد” على التكنولوجيا والوقود والخبرات الروسية، مع توجيه الرأي العام المحلي لصالح موسكو؛ وتُعدّ روسيا أيضًا موردًا رئيسيًا للحبوب وغيرها من السلع الزراعية إلى أسواق الشرق الأوسط، وتلعب دورًا مهماً في الأمن الغذائي للمنطقة. وبصفتها منتجاً رائداً للأسمدة اليوريا والكبريتية، ساهمت الشركات الروسية الموردة في سدّ النقص في الإمدادات في المنطقة، والذي نجم عن إغلاق مصانع البتروكيماويات في الشرق الأوسط بسبب الحرب الإيرانية؛ ويمثل هذا تحولاً في الأدوار عما كان عليه الحال عند غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022، حيث دفعت اضطرابات الإنتاج الروسي وفرض العقوبات الغربية آنذاك، مصنّعي الأسمدة في دول الخليج إلى تعويض هذا النقص. وبحسب المحللين، فإن الظروف مهيأة لعودة تدريجية للنفوذ الروسي في الشرق الأوسط، بمجرد انتهاء الحربين الإيرانية والأوكرانية”.

اتفاقية مكة

ورأى الموقع أن “موسكو ستواجه تحدياً في التعامل مع منطقة مقسمة إلى ثلاثة مراكز ثقل جيوسياسي بفعل حرب دامت قرابة ثلاث سنوات: إسرائيل والدول الموقعة على اتفاقيات إبراهيم، إيران ومحور المقاومة؛ والسعودية وتركيا وباكستان بموجب اتفاقية مكة للدفاع المشترك الموقعة مؤخراً. وتفيد التقارير بأن إدارة بوتين قد زودت إيران بطائرات مسيّرة متطورة ومعلومات استخباراتية خلال نزاعها المستمر مع الولايات المتحدة. ويتوقع أفدالياني أن تتجنب روسيا الانحياز الحصري لأي تكتل إقليمي، ساعيةً إلى الحفاظ على شراكتها مع إيران، مع الحفاظ على علاقات متينة مع السعودية وتركيا والإمارات، و”انخراط براغماتي” مع إسرائيل وباكستان. من جانبها، قالت روز إن روسيا ستسعى لحماية وصولها إلى الموانئ ذات المياه الدافئة، مستخدمةً نفوذها الاقتصادي والسياسي في المنطقة. ولتحقيق أهدافها، ستعتمد روسيا على أدوات اقتصادية كصادرات الحبوب، التي جعلتها لاعباً محورياً في سلاسل الإمداد الغذائي الإقليمية. ووفقًا لروز، فإن الاستثمار في البنية التحتية النووية واللوجستية في الشرق الأوسط، إلى جانب تنسيق سوق الطاقة مع منتجي النفط في المنطقة، سيكون بمثابة وسيلة موسكو لتوسيع نفوذها، “مستفيدة إلى أقصى حد من ضرورة تنويع العلاقات خارج الولايات المتحدة لدى العديد من دول الشرق الأوسط”.”