بودابست تنتظر الفائز: إقصاء الإسبان يعيد كتابة تاريخ دوري الأبطال.. فمن سينجو؟

لم يعد غياب ريال مدريد وبرشلونة عن الأدوار النهائية لدوري أبطال أوروبا خبراً صادماً كما كان في السابق. فما كان يُعد زلزالاً كروياً قبل عقد من الزمن، تحول تدريجياً إلى مشهد يتكرر بوتيرة لافتة في السنوات الأخيرة. يكفي أن نسترجع أرشيف البطولة لنكتشف أن العملاقين الإسبانيين ودّعا المسابقة من ربع النهائي أو قبله في أربع من آخر ست نسخ بالنسبة لبرشلونة، وفي ثلاث من آخر خمس نسخ بالنسبة لريال مدريد. الأرقام لا تكذب: زمن الهيمنة المطلقة ولى، وحل محله زمن المنافسة الشرسة حيث لم يعد أحد يخشى مواجهة أصحاب التيجان.
 
لكن ما حدث في ربع نهائي النسخة الحالية يحمل نكهة خاصة. فالإقصاء هذه المرة لم يأتِ على يد فريق مفاجئ أو بركلات الترجيح القاسية، بل جاء بمنطق فني واضح. فبايرن ميونخ اكتسح الريال في مباراة مجنونة انتهت بستة أهداف في شباك بطل أوروبا التاريخي وملكها، وأتلتيكو مدريد أذاق برشلونة مرارة الخروج بطريقته المعتادة، أي بالشراسة والانضباط وقتل المباراة في لحظاتها القاتلة، فالأندية التي كانت تنتظر دورها في الطابور صارت الآن تفرض وجودها على الطاولة الكبرى.
 
المتأهلون الأربعة هم بايرن ميونخ الألماني، باريس سان جيرمان الفرنسي حامل اللقب (2024-2025)، أرسنال الإنكليزي، وأتلتيكو مدريد الإسباني. 4 فرق، لكل منها حكايته الخاصة مع هذه البطولة، ولكل منها ما يثبت أنه لم يصل إلى هنا بالصدفة.

فماذا ينتظرنا في هذين الصدامين الناريين؟
 
معركة البايرن – باريس سان جرمان
في نصف النهائي الأول، يلتقي بايرن ميونخ مع باريس سان جيرمان في مواجهة يمكن وصفها بأنها “نهائي مبكر”. البافاري الآتي من ملحمة حقيقية ضد ريال مدريد، حيث حسم التأهل بسداسية في شباك بطل أوروبا التاريخي مقابل أربعة أهداف، يدرك أن مهمته لم تنته بعد. ما فعله بايرن في تلك المباراة، تحديداً في الدقائق العشر الأخيرة، كشف عن شخصية فريق لا ينهار. استقبال ثلاثة أهداف في أنحاء متفرقة من المباراة كان كفيلاً بإسقاط أي فريق آخر، لكن رجال المدرب فنسنت كومباني عادوا في كل مرة، وأمسكوا بمفاصل المباراة حين كان ريال مدريد يظن أنه سيطرد.وحين طُرد كامافينغا في الدقيقة 86، تحول ملعب أليانز أرينا إلى ساحة غضب كروي منظم، فسجل لويس دياز وميشيل أوليز هدفين قاتلين قلبا الطاولة وأسكتا كل الألسنة التي راهنت على “الريمونتادا” الملكية المعتادة.
 
 
وعلى الجانب الآخر يقف باريس سان جيرمان، حامل اللقب الذي دخل البطولة من بابها الخلفي عبر الملحق، ثم قلب الطاولة على الكل. الفريق الباريسي أقصى ليفربول برباعية نظيفة في مجموع المباراتين، في عرض قال الكثير عن النضج التكتيكي الذي بلغه الفريق تحت قيادة لويس إنريكي. فلم يعد بي إس جي ذلك الفريق الذي يراهن فقط على ومضات نجومه وينهار حين تشتد العاصفة. الفريق الحالي يعرف متى يضغط ومتى يتراجع، والأهم أنه يمتلك في أوسمان ديمبيلي لاعباً تحول من مشروع موهبة غير مكتملة إلى “جوكر” حقيقي يحسم المباريات الكبرى. ولكن، ماذا نتوقع من هذه المواجهة؟
 
 
الطبيعي أنّ ما ستشهده هو “معركة في العمق”. بايرن سيعتمد على شراسة هاري كين الذي سجل في ثلاث مباريات أوروبية متتالية، لكن دفاع البافاري الذي اهتز ثلاث مرات أمام ريال مدريد سيكون في اختبار أصعب أمام سرعة ديمبيلي وكفاراتسخيليا ودوييه. إنها مواجهة بين قوة هجومية لا ترحم، وصلابة تكتيكية بدأت تتشكل أخيراً في العاصمة الفرنسية.
   
أرسنال نحو إقصاء إسبانيا كليا؟

أما في نصف النهائي الثاني، فالقصة مختلفة كلياً. أرسنال يواجه أتلتيكو مدريد في صدام بين “الانضباط” و”الشراسة”. “الغانرز” وصلوا إلى هنا بصفتهم الفريق الوحيد الذي لم يخسر أي مباراة في البطولة حتى الآن، بعشرة انتصارات وتعادلين، لكن ذلك لم يأتِ من دون ثمن.

الفريق بدا مرهقاً في الأسابيع الأخيرة، خرج من كأس الاتحاد الإنكليزي على يد ساوثهامبتون، وتعادل سلبياً مع سبورتينغ لشبونة في لقاء كان بإمكانه أن ينتهي بسيناريو مختلف لولا بعض الاخطاء “التافهة”. ما يثير القلق في معسكر ميكيل أرتيتا ليس الدفاع، بل الهجوم الذي سجل 23 هدفاً في دور المجموعات ثم بدأ يعاني من فقر تهديفي واضح في الأدوار الإقصائية.
  
أتلتيكو مدريد، رجل المباريات الصعبة، عاد إلى نصف النهائي لأول مرة منذ 2017 بعدما أطاح ببرشلونة في مباراة كانت عصارة فكر دييغو سيميوني. الفريق الذي استقبل 15 هدفاً في دور المجموعات وسبعة أهداف في الأدوار الإقصائية، بدا دفاعه أقل صلابة من نسخ سابقة، لكنه يملك شيئاً لا يشترى: الإيمان بفكرة المدرب…
  
السؤال الأكبر هنا: هل يصمد دفاع أتلتيكو المهتز أمام هجوم أرسنال المنظم؟ أم أن الغانرز سيدفعون ثمن إرهاقهم المحلي أمام فريق لا يعرف معنى الاستسلام؟ الإجابة ستعتمد على التفاصيل، وعلى الكرات في وسط الملعب، وعلى من يفتتح التسجيل أولاً، وعلى من يتحمل ضغط مدرجات الإمارات والميتروبوليتانو في ليلتين ستكونان من أثقل ليالي الموسم.
  
في الختام، يمكن القول إن إقصاء ريال مدريد وبرشلونة لم يضعف البطولة، بل على العكس، فتح الباب أمام أربعة مشاريع كروية مختلفة تماماً. هناك من يريد استعادة أمجاده الغابرة مثل البايرن، ومن يريد إثبات أن لقب الموسم الماضي لم يكن صدفة، ألا وهو باريس سان جرمان، ومن يريد كتابة التاريخ لأول مرة مثل أرسنال، ومن يريد تتويج مسيرة مدرب ظل لسنوات قاب قوسين أو أدنى من المجد ألا وهو أتلتيكو مدريد.
وفي كل الأحوال، وصول الكأس إلى بودابست في 30 أيار سيكون تتويجاً لفريق انتزع حقه بيده، لا بالتاريخ ولا بالأسماء. وهذه هي متعة كرة القدم الحقيقية.