ولعل زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى النبطية وما حملته من رسائل سياسية وشعبية، إضافة إلى الخطاب المتزايد تجاه البيئة الشيعية ومحاولة فتح قنوات تواصل معها، تشكل مؤشرات واضحة إلى هذا المسار. إلا أن المؤشر الأبرز، وفق المصادر، يبقى في النقاشات التي تدور بعيداً عن الإعلام، حيث بدأ مسؤولون وشخصيات سياسية يتحدثون بوضوح أكبر عن ضرورة تخفيض سقف التوقعات في ملف سلاح حزب الله.
فبعد مرحلة طغى فيها الحديث عن حصر السلاح وعن جدول زمني واضح لمعالجة هذا الملف، عاد مصطلح «احتواء السلاح» ليتقدم في النقاش السياسي. والفارق بين المصطلحين ليس بسيطاً، إذ إن الاحتواء يفتح هوامش واسعة للأخذ والرد، ويسمح بإدارة الملف على مراحل، بعيداً عن فكرة الوصول إلى نتيجة نهائية وسريعة قد لا تكون الظروف الداخلية والإقليمية مهيأة لها.
وتشير المصادر إلى أن هذه الواقعية لا تنطلق فقط من حسابات لبنانية داخلية. فهناك أيضاً نقاش متزايد مع جهات خارجية حول ضرورة إيجاد بديل فعلي للبيئة الشيعية قبل التفكير بأي محاولة لعزل حزب الله سياسياً أو شعبياً. فهذه البيئة، التي تحملت خلال السنوات الماضية أعباء اقتصادية وأمنية وحروباً ودماراً واسعاً، لا تزال على قناعتها بأن مؤسسات الدولة ليست بديلاً كاملاً قادراً على تأمين احتياجاتها أو حمايتها أو إعادة إعمار مناطقها.
ومن هنا، بدأ يتقدم خطاب يقوم على فكرة أن معالجة نفوذ حزب الله لا يمكن أن تتم فقط عبر الضغط عليه، بل عبر تعزيز حضور الدولة داخل بيئته، وتقديم نموذج قادر على استقطاب الناس وإقناعهم بأن لديهم خياراً آخر يمكن الاعتماد عليه. وهذا الأمر يحتاج إلى وقت وإمكانات مالية ومشروع سياسي واجتماعي متكامل، وليس مجرد قرارات أو مواقف سياسية مرتفعة السقف.
واللافت أن هذا النوع من الخطاب لم يعد محصوراً بشخصيات محسوبة على خط سياسي واحد، بل بدأ يظهر في أكثر من مكان، ما يطرح تساؤلات حول ما إذا كان هذا التحول يحظى أيضاً بتشجيع خارجي، خصوصاً في ظل المتغيرات الكبيرة التي تشهدها المنطقة.
في المحصلة، فإن عودة مصطلحات مثل «احتواء السلاح»، والانفتاح المتزايد على البيئة الشيعية، وتراجع الحديث عن حلول سريعة ونهائية، كلها مؤشرات إلى تبدل في إدارة الملف. والأهم أن المسار الجديد، إذا استمر، يعكس قناعة تتوسع لدى مختلف الأطراف بأن خيار الصدام الداخلي ليس مطروحاً، وأن ملفاً بحجم سلاح حزب الله لا يمكن حسمه بالقوة أو عبر كسر طرف داخلي، بل من خلال مسار سياسي طويل يرتبط بالدولة وبالبيئة الشيعية وبالتسويات الإقليمية في آن واحد.












اترك ردك