وذكر موقع “Drop Site News” الأميركي أن هذه الخطوة وُصفت في البداية بأنها أقرب إلى سيناريو هوليوودي، قبل أن يعتبرها مسؤولون سابقون في أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية جزءًا من أدوات التفاوض والعمل الاستخباراتي، وليس استراتيجية قائمة بذاتها.
وبحسب التقرير، فقد استعانت طهران باثنين من كبار علماء النفس لدعم فريقها المفاوض في إعداد الرسائل التي كانت تُنقل إلى ترامب عبر وسطاء إقليميين، بهدف فهم طبيعة شخصيته المتقلبة وتحسين أسلوب إيصال الرسائل السياسية إليه.
وأشار التقرير إلى أن خبراء نفسيين إيرانيين أعدوا ملفاً نفسياً للرئيس الأميركي، تضمن تحليلاً لأنماط استجاباته، بحيث تخضع الرسائل المهمة الصادرة من طهران لمراجعة تراعي شخصيته قبل وصولها إلى البيت الأبيض.
وزعم مصدر إيراني أن إدراج هذه التوصيات في عملية التفاوض أسهم في تحقيق تحسن ملموس في استجابة ترامب، معتبراً أن طهران لم تكن تتفاوض على بنود الاتفاق فحسب، بل أيضاً على الحالة النفسية للرئيس الأمريكي وطريقة تلقيه للرسائل.
لكن هذه الرواية أثارت تساؤلات داخل الأوساط الأمنية الإسرائيلية بشأن مدى صحتها، وما إذا كانت تعكس بالفعل استراتيجية إيرانية جديدة، أم مجرد استخدام لأدوات استخباراتية معروفة.
وفي هذا السياق، قلل الرئيس السابق لشعبة “مكافحة الإرهاب” في جهاز الموساد الإسرائيلي عوديد عيلام من أهمية الرواية التي تربط السياسة الإيرانية بتشخيص نفسي لترامب، واصفًا إياها بأنها “تمرين فكري مسلٍّ، لكنه بعيد عن الواقع”.
وأوضح عيلام أن استعانة أجهزة الاستخبارات بعلماء النفس لإعداد ملفات شخصية للقادة وصناع القرار تُعد ممارسة راسخة تعتمدها مختلف أجهزة الاستخبارات حول العالم، مؤكدًا أن إيران ليست استثناءً في هذا المجال.
وذكر أنَّ شجوهر السلوك الإيراني لا يرتبط بتحليل شخصية ترامب، بقدر ما يعكس مدرسة تفاوضية إيرانية معروفة تقوم على الصبر الطويل، واستنزاف الخصم، والتمسك بالمواقف الافتتاحية، وتحويل عامل الزمن إلى أداة ضغط سياسية.
وأشار إلى أن هذه المقاربة تستند إلى ما طرحه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في كتابه “قوة التفاوض”، الذي يقوم على عدم التسرع، وعدم تقديم تنازلات مجانية، وترك الخصم ينهك نفسه مع مرور الوقت.
واختصر عيلام هذه الرؤية بالقول إن الإيرانيين “لا يلعبون الروليت الروسية مع راعي بقر مجنون، وإنما يلعبون شطرنجاً فارسياً كلاسيكياً”.
من جهته، أكد القائد السابق لوحدة التفاوض في هيئة الأركان الإسرائيلية دورون هدار أن إعداد ملفات نفسية للطرف المقابل يمثل جزءًا أساسيًا من أي عملية تفاوض.
وأشار إلى أن فريق التفاوض الإسرائيلي أعد في السابق ملفات مماثلة لشخصيات مثل يحيى السنوار، ومحمد السنوار، وحسن نصر الله، بهدف فهم أسلوب اتخاذ القرار لديهم، وليس لتغيير شخصياتهم.
وعند الحديث عن ترامب، تجنب هدار تقديم تشخيص سريري، لكنه اعتبر أن الرئيس الأمريكي يمتلك ما وصفه بـ”عنصر قوي من العدوانية النرجسية”، يتمثل في رغبته الدائمة في نيل الإشادة وتعظيم صورته.
ورأى أن الإيرانيين اختبروا هذه السمات بصورة عملية، ليس عبر محاولة استرضائه، وإنما أحيانًا من خلال التقليل من أهمية تصريحاته، أو تأجيل الرد عليها، أو نفي بعض التقارير، لمراقبة ردود أفعاله وقياس مدى استعداده للتصعيد العسكري في حال انهيار المفاوضات.
وفي خلاصة القراءة الإسرائيلية، اعتبر التقرير أن “الاختراق النفسي” لترامب، إن صح، لم يكن سوى أداة ضمن منظومة تفاوضية أوسع، فيما بقي السلاح الحقيقي بيد طهران هو استراتيجية الاستنزاف الطويل القائمة على الصبر، وإدارة الوقت، وفهم القيود السياسية التي تحكم خصومها.
وبحسب هذه الرؤية، فإن إيران لم تسعَ إلى تغيير شخصية الرئيس الأمريكي، بقدر ما سعت إلى استثمار طبيعة النظام السياسي الذي يقيد حركته، وتحويل الزمن نفسه إلى ورقة ضغط في معركة تفاوضية طويلة النفس.










اترك ردك