ومن يستمع إلى المسؤولين الأميركيين يلمس بوضوح محدودية الاهتمام بالسلطة اللبنانية، التي لا تزال، وفق هذه القراءات، تدور في الحلقة نفسها منذ آذار الماضي، بل منذ ما قبل ذلك، من دون أن تتمكن من إحداث اختراق فعلي في مسار الملفات المطروحة أو تقديم مقاربة مختلفة للمرحلة المقبلة.
وفي ضوء هذه المعطيات، لا تبدو واشنطن في وارد ممارسة ضغوط جدية على إسرائيل لدفعها إلى الانسحاب من الأراضي التي تحتلها في الجنوب، خلافاً لما يراهن عليه البعض ممن يربطون الانسحاب الإسرائيلي بأي تسوية محتملة بين طهران وواشنطن، فالتطورات الإقليمية، وفق هذه القراءة، لا توفر أساساً للاعتقاد بأن أي تفاهم أميركي ـ إيراني مرتقب سيؤدي حكماً إلى تغيير الواقع الميداني في لبنان أو فرض انسحاب إسرائيلي. أما الرهان على عودة مشهد الثمانينيات، بما حمله من اجتياحات إسرائيلية وصولاً إلى بيروت، أو على اندلاع اقتتال داخلي يعيد البلاد إلى تجاربها السابقة، فيندرج، وفق هذه المقاربة، في إطار استحضار سيناريوهات من الماضي لا تعكس بالضرورة طبيعة المرحلة الحالية، فالواقع يتجه نحو مسار مختلف، عنوانه استمرار الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب فقط لسنوات طويلة، في ظل غياب مؤشرات جدية إلى تسوية قريبة تنهي هذا الواقع. وبذلك، قد يتحول الجنوب إلى ما يشبه الجولان الثاني، حيث يطول أمد الاحتلال ويتكرس واقع ميداني يصعب تغييره في المدى المنظور.
وعليه، لا توحي المعطيات المتداولة بأن الجنوب مقبل على تبدلات جذرية في وقت قريب، تعيده الى ما كان عليه قيل 7 تشرين الاول 2023، لكن مع فارق أساسي يتمثل في مستقبل قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان اليونيفيل، فوفق هذه التقديرات، تتجه الأمور إلى عدم التجديد للقوة الدولية، رغم المحاولات والمساعي اللبنانية الرسمية الرامية إلى إبقائها، في ظل رفض أميركي للتمديد لها، ويطرح هذا الاحتمال تساؤلات بشأن الجهة التي ستتولى المهام التي تضطلع بها القوة الدولية، والآليات التي ستُعتمد لضمان الأمن والاستقرار في الجنوب بعد مغادرتها.
وفي هذا السياق، يُفترض أن تنتقل مسؤوليات أساسية إلى الجيش، الذي سيحتاج إلى تعزيز قدراته العملانية والتقنية للاضطلاع بالمهام المطلوبة، سواء على مستوى بسط السيطرة على الأراضي أو ضبط الحدود أو الحفاظ على الأمن الداخلي. وتشير هذه المقاربة إلى دور مرتقب لبعثة الاتحاد الأوروبي العسكرية في تدريب الجيش وتقديم الدعم الاستشاري له، بما يساعد على تطوير قدراته وتعزيز جهوزيته للتعامل مع المتطلبات الأمنية في المرحلة المقبلة.
لكن من الضروري التمييز بين الدور التدريبي والاستشاري للاتحاد الأوروبي وبين الدعم العسكري والمالي الذي من الممكن أن يحصل عليه الجيش من دول أوروبية بصورة منفردة، فالمساعدات المحتملة يمكن أن تأتي عبر قنوات أميركية ،أوروبية وعربية متعددة، فيما ينحصر دور البعثة الأوروبية، وفق هذا التصور، في التدريب والاستشارات وتعزيز القدرات، وليس في تولي مسؤولية الدعم العسكري المباشر بوصف الاتحاد الأوروبي جهة مانحة موحدة.
اما على خط المفاوضات اللبنانية- الاسرائيلية فمن المتوقع ان يتحدد في خلال الساعات الثماني والاربعين المقبلة، مصير المحادثات العسكرية المرتقبة في تامبا مع ترجيح تأجيلها.
وعليه، تبدو الصورة قاتمة بالنسبة إلى لبنان، فهل تستطيع الدولة استثمار الوقت المتاح لتعزيز قدرات الجيش وفرض حضوره على الأرض، أم أن الجنوب يتجه إلى مرحلة طويلة من تثبيت الأمر الواقع، في انتظار تحولات إقليمية قد لا تأتي قريباً؟










اترك ردك