وفي بداية آب، اندلع حريق في أحراج عين جرفا وعين قنيا في حاصبيا، فيما شهدت كفرشوبا في 5 آب حرائق واسعة في المناطق الحرجية. وأظهرت صور أقمار صناعية أثراً للحريق على مساحة قُدّرت بنحو 3 كيلومترات مربعة.
هذه الحوادث، إلى جانب حرائق أخرى شهدتها مناطق مختلفة، تعكس اتساع رقعة الخطر، وتؤكد أن موسم الحرائق لم يعد حادثاً عابراً يتكرر في منطقة محددة، بل بات ظاهرة سنوية تتداخل فيها عوامل عدة.
وأوضح أن ارتفاع الحرارة بحد ذاته لا يشعل الغابات، لكنه يجعلها أكثر قابلية للاشتعال، إذ يؤدي الجفاف إلى فقدان النباتات لرطوبتها وتحولها إلى وقود سريع للنيران. ومع هبوب الرياح، تصبح السيطرة على الحريق أكثر صعوبة، خصوصاً في المناطق الجبلية والوعرة.
وأشار إلى أن الجزء الأكبر من الحرائق يرتبط بسلوك الإنسان، سواء من خلال حرق الأعشاب والنفايات، أو إشعال النار قرب الأحراج، أو الإهمال ورمي أعقاب السجائر، لافتاً إلى أن شرارة صغيرة يمكن أن تتحول خلال دقائق إلى حريق واسع عندما تكون الظروف المناخية مؤاتية.
ويرى أن المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في الاستجابة بعد اندلاع الحريق، بل في غياب الوقاية المستمرة على مدار السنة، مشدداً على ضرورة تنظيف الأحراج وإزالة الأعشاب الجافة، وصيانة الطرقات الحرجية وتأمين مصادر المياه، إضافة إلى تعزيز المراقبة والإنذار المبكر في المناطق الأكثر عرضة للخطر.
الجنوب… تحدٍ إضافي في 2026
هذا العام، لا يمكن الحديث عن حرائق الغابات في لبنان من دون التوقف عند الجنوب، حيث أضافت الحرب والاعتداءات تحدياً آخر إلى المشهد البيئي.
وتختلف هذه الحرائق في أسبابها عن الحرائق الصيفية المرتبطة بالجفاف أو الإهمال، لكنها تترك في النهاية آثاراً بيئية متشابهة: أشجار تحترق، أراضٍ تتضرر، وتنوع بيولوجي يحتاج سنوات طويلة حتى يتعافى.
كما أن الوصول إلى بعض المناطق المتضررة أمنياً يصبح أكثر صعوبة أمام فرق الإطفاء، ما يزيد تعقيد عمليات السيطرة على النيران وإخمادها.
هل تكفي الإجراءات الوقائية؟
كذلك يعمل المركز الوطني للمخاطر الطبيعية والإنذار المبكر على رصد مؤشرات خطر الحرائق وتحديد المناطق الأكثر عرضة للاشتعال، بما يساعد على التحرك بشكل أسرع والحد من انتشار النيران.
لكن الخبير البئي يؤكد أن التحدي لا يكمن فقط في إطلاق الحملات والخطط، بل في استمراريتها وتطبيقها على الأرض. فالغابة تحتاج إلى عناية قبل موسم الحرائق، وليس فقط عندما تبدأ النيران بالاشتعال.
ويوضح أن مكافحة الحرائق يجب ألا تتحول إلى حالة طوارئ موسمية مع بداية الصيف، بل إلى خطة دائمة لإدارة الغابات والحد من المخاطر، مشيراً إلى أن تكلفة الوقاية تبقى أقل بكثير من خسارة الغطاء الحرجي والتنوع البيولوجي والأراضي الزراعية بعد اندلاع الحرائق.
في النهاية، لا يمكن تحميل الحرارة وحدها مسؤولية ما يحدث. حرائق الغابات في لبنان هي نتيجة تداخل مجموعة من العوامل: الجفاف، ارتفاع الحرارة، الرياح، جفاف الغطاء النباتي، والسلوك البشري، إضافة إلى العامل الأمني الذي فرض نفسه بقوة هذا العام في الجنوب.
لذلك، فإن السؤال لم يعد فقط: كيف نطفئ الحريق؟ بل أصبح: كيف نمنع اندلاعه من الأساس؟
فالغابة التي تحترق خلال ساعات تحتاج إلى سنوات طويلة حتى تستعيد عافيتها، وبعض الخسائر قد لا يمكن تعويضها بالكامل. ومن هنا، تبدأ حماية الغابات من خطوات تسبق موسم الحرائق بأشهر: تنظيف الأحراج، صيانة الطرقات، تعزيز المراقبة والإنذار المبكر، تجهيز فرق الإطفاء، والأهم رفع وعي الناس وتطبيق القانون على المتسببين بالحرائق.
فإذا كان من الصعب منع كل حريق، فمن الممكن بالتأكيد تقليل عدد الحرائق، والحد من انتشارها، وحماية ما تبقى من غابات لبنان قبل أن تتحول كل موجة حر إلى كارثة جديدة.












اترك ردك