حين تصبح الأسواق على بُعد كبسة زر… هل يملك الشباب المعرفة الكافية للغوص فيها؟

في وقت أصبحت فيه الأسواق المالية والمعلومات الاستثمارية متاحة للشباب أكثر من أي وقت مضى، لم تعد الثقافة المالية معرفة متخصصة، بل جزءاً أساسياً من القدرة على اتخاذ قرارات مالية واعية. وبينما تتوسع مساحة التداول والاستثمار على المنصات الرقمية، تبرز أهمية تزويد الجيل الجديد بالمعرفة التي تساعده على فهم الأسواق، قراءة المعلومات، وتقدير المخاطر بعيداً عن القرارات العشوائية أو الاندفاعية.

وفي هذا الإطار، تعمل CFI على تعزيز الثقافة المالية بين الشباب من خلال شراكاتها مع الجامعات، والندوات والبرامج التطبيقية، إلى جانب منصّتها الرقميّة، CFI Academy، التي تتيح التعلم المالي بشكل مرن. في هذا الحوار، يتحدث جورج خوري، المحلل المالي في CFI، عن أهمية ربط التعليم المالي بالتطبيق العملي، ودور الجامعات والقطاع الخاص في إعداد جيل أكثر وعياً بالأسواق والمخاطر، وما يحتاجه الشباب قبل دخول عالم التداول والاستثمار.

س: في السنوات الأخيرة، ازداد اهتمام الشباب بالأسواق المالية والتداول، سواء بدافع الاستثمار أو البحث عن مصادر دخل إضافية. برأيك، لماذا أصبحت الثقافة المالية ضرورة، وليس مجرد معرفة إضافية، بالنسبة إلى الجيل الجديد؟

جورج خوري: الثقافة المالية لم تعد ترفاً أو تخصّص يهم العاملين في القطاع المالي فقط. نحن نعيش في بيئة أصبح فيها الفرد يتخذ قرارات مالية بشكل يومي، من إدارة دخله ومدخراته، إلى فهم تأثير التضخم وأسعار الفائدة والأحداث الاقتصادية على حياته، وصولاً إلى التعامل مع أدوات استثمارية وأسواق أصبحت متاحة له بكبسة زر.

أما بالنسبة إلى الشباب، فالأهمية أكبر لأنهم يدخلون اليوم إلى الحياة المهنية والمالية في مرحلة شديدة التعقيد وسريعة التغير. وفي الوقت نفسه، أصبح الوصول إلى المعلومات والأسواق أسهل بكثير، لكن سهولة الوصول لا تعني بالضرورة القدرة على التمييز بين المعلومة الصحيحة والمضللة، أو بين القرار المدروس والقرار المبني على الانفعال.

لذلك، نرى أن الهدف الحقيقي من الثقافة المالية هو بناء القدرة على الفهم والتحليل واتخاذ القرار، وليس فقط تعليم الشخص كيفية التداول. كلما بدأ هذا الوعي في سن مبكرة، كان الفرد أكثر قدرة على التعامل مع المال والأسواق بمسؤولية وواقعية.

س: لكن التعليم المالي لا يزال محدود الحضور في المناهج الجامعية مقارنة بأهميته في الحياة العملية. أين تكمن الفجوة برأيك بين ما يتعلمه الطالب في الجامعة وما يحتاجه عندما يواجه الواقع المالي؟

جورج خوري: الجامعة تؤدي دوراً أساسياً في بناء المعرفة، لكن التحدي يكمن أحياناً في الانتقال من المعرفة النظرية إلى فهم كيفية تطبيقها في العالم الحقيقي. في الأسواق المالية تحديداً، قد يتعلم الطالب مفاهيم اقتصادية ومالية مهمة، لكن فهم العلاقة بين هذه المفاهيم وحركة الأسواق يحتاج إلى ممارسة وتحليل ومتابعة مستمرة. ماذا يحدث للسوق عندما تصدر بيانات اقتصادية معينة؟ كيف يمكن قراءة خبر مالي؟ ما العوامل التي تحرك أسعار العملات أو السلع أو الأسهم؟ وكيف يمكن إدارة المخاطر عندما لا تسير الأمور كما هو متوقع؟

هذه الأسئلة لا تُفهم دائماً من الكتب وحدها. من هنا جاءت أهمية البرامج التي تربط الطالب بالتطبيق العملي، وتمنحه فرصة لرؤية ما يتعلمه في سياق الأسواق الفعلية، مع التأكيد على أن فهم المخاطر جزء أساسي من هذا التعلم. 

س: نظمت CFI جولة تعليمية في عدد من الجامعات اللبنانية، شملت الجامعة الأميركية في بيروت، الجامعة اللبنانية الأميركية في بيبلوس والجامعة الأنطونية. ما الذي أردتم تحقيقه من خلال هذه الجولة؟

جورج خوري: كان هدفنا الأساسي هو نقل الحديث عن الأسواق المالية من الإطار النظري إلى الواقع، وجعل هذا الموضوع أكثر قرباً من الطلاب، بغض النظر عن اختصاصاتهم.

الندوات التي نظمناها تحت عنوان “الأسواق المالية على أرض الواقع: من النظرية إلى التطبيق” صُممت لتكون مفتوحة أمام الطلاب من مختلف الاختصاصات، لأن الثقافة المالية ليست حكراً على طلاب إدارة الأعمال أو الاقتصاد. أي شاب أو شابة سيواجه قرارات مالية في مرحلة معينة من حياته، وبالتالي من المهم أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على فهم هذه القرارات.

تطرقنا خلال هذه اللقاءات إلى كيفية عمل الأسواق العالمية، والأدوات المالية المختلفة، والعوامل التي تؤثر على حركة الأسعار، إضافة إلى تحليل الأخبار والأسواق وإدارة المخاطر. والأهم أننا حاولنا أن نجعل الطالب جزءاً من التجربة، لا مجرد مستمع إليها.

س: ماذا يضيف هذا النوع من التعليم العملي إلى التجربة الجامعية؟ وهل لاحظتم فرقاً في تفاعل الطلاب عندما انتقلتم من الشرح النظري إلى التطبيق؟

جورج خوري: بالتأكيد. عندما يرى الطالب كيف يمكن لمعلومة اقتصادية أو سياسية أو مالية أن تنعكس على حركة أحد الأصول، يصبح المفهوم أكثر وضوحاً بكثير. لهذا السبب، نحرص في برامجنا الجامعية على أن يتضمن التعليم جانباً عملياً. وفي شراكتنا مع AUST، على سبيل المثال، امتد البرنامج التدريبي على أربعة أسابيع وتناول مبادئ الأسواق المالية واستراتيجيات التداول وتحليل الأسواق وإدارة المخاطر، إضافة إلى التدريب العملي على منصات CFI، واختتم البرنامج بمسابقة تداول باستخدام حسابات تجريبية، ما سمح للطلاب بتطبيق ما تعلموه على شكل محاكاة ومن دون المخاطرة برأس مال حقيقي.

س: لماذا تعتبرون إدارة المخاطر جزءاً أساسياً من تعليم الشباب التداول والاستثمار؟

جورج خوري: لأن أي تعليم مالي لا يتحدث عن المخاطر هو تعليم ناقص. في الأسواق المالية، لا توجد نتائج مضمونة، ولا توجد استراتيجية تعمل في كل الظروف. لذلك، من المهم أن يفهم المتداول المستقبلي كيف يبحث عن الفرص، بل أيضاً كيف يقيّم المخاطر، وكيف يحدد قدرته على تحمل الخسارة، وكيف يتعامل مع قراراته بعيداً عن الاندفاع. نحن نريد أن نرسخ لدى الشباب فكرة أساسية: المعرفة لا تعني أن الأسواق أصبحت خالية من المخاطر، بل تعني أنك أصبحت أكثر قدرة على فهم هذه المخاطر والتعامل معها بوعي. وهذا تحديداً ما نحاول التأكيد عليه من خلال برامجنا التعليمية.

س: إلى جانب المبادرات الجامعية، أطلقتم أكاديمية CFI الرقمية. كيف تكمل الأكاديمية هذا الدور؟

جورج خوري: الجامعة تمنحنا فرصة للوصول إلى الشباب في مرحلة مبكرة، لكننا نؤمن بأن التعليم المالي يجب ألا يكون محصوراً بقاعة المحاضرات. من هنا تأتي أهمية CFI Academy، التي تتيح التعلم بشكل مرن ومنظم، ومن مستويات مختلفة، وتضم محتوى حول أساسيات الأسواق، والتحليل الفني والأساسي، واستراتيجيات التداول، وإدارة المخاطر، وسيكولوجية التداول وغيرها من المواضيع. كما تعتمد على دورات يقودها متخصصون في الأسواق المالية، مع محتوى تفاعلي واختبارات تساعد المتعلم على قياس تقدمه. الفكرة بالنسبة لنا هي أن نجعل المعرفة المالية أكثر سهولة وإتاحة، وأن نعطي الشخص فرصة للتعلم بالسرعة التي تناسبه، بدلاً من أن يكون التعليم مرتبطاً بمكان أو وقت محدد.

س: ما الذي يميز مفهوم “الثقافة المالية” عن مجرد تعلم كيفية التداول؟

جورج خوري: هناك فرق كبير بين الاثنين. التداول هو مهارة يمكن تطويرها، لكن الثقافة المالية أوسع بكثير. فهي تعني أن تفهم كيف يعمل المال والأسواق، وكيف تؤثر المتغيرات الاقتصادية في حياتك وفي قراراتك، وأن تكون قادراً على تقييم المعلومات والفرص والمخاطر. أما التداول فهو أحد المجالات التي يمكن أن تستخدم فيها هذه المعرفة.

لهذا السبب، لا نريد أن تكون رسالتنا للشباب “تعلموا التداول”، بل “تعلموا أولاً”. افهموا الأسواق، افهموا الأدوات، افهموا المخاطر، وكونوا قادرين على اتخاذ قرارات مبنية على المعرفة. بعد ذلك، يستطيع كل فرد أن يقرر ما إذا كان التداول أو الاستثمار يتناسب مع أهدافه وظروفه.

س: ماذا تقول للشاب أو الشابة الذين يدخلون اليوم عالم الأسواق المالية ويشعرون أن كمية المعلومات المتاحة أمامهم أكبر من قدرتهم على استيعابها؟

جورج خوري: أقول لهم “لا تبدأوا بالتداول، ابدأوا بالتعلم”. في الأسواق، قد يكون من السهل جداً أن تجد معلومة أو توصية أو رأياً على وسائل التواصل الاجتماعي، لكن الأصعب هو أن تعرف كيف تقيّمها. لذلك، لا تستعجلوا النتائج، وابنوا معرفتكم خطوة بخطوة.

ابدأوا بفهم أساسيات الأسواق والأدوات المالية، تعلّموا كيفية تحليل المعلومات، افهموا المخاطر، واستخدموا الحسابات التجريبية والتطبيق العملي قبل الانتقال إلى أي قرارات مالية فعلية. الأهم هو أن تدركوا أن النجاح في الأسواق لا يرتبط بامتلاك “معلومة سرية”، بل بامتلاك المعرفة والانضباط والقدرة على إدارة المخاطر واتخاذ القرار على أساس منطقي.

س: في النهاية، ما الهدف الذي تطمح CFI إلى تحقيقه من خلال استثمارها في التعليم المالي، خصوصاً بين الشباب؟

جورج خوري: نطمح إلى المساهمة في بناء جيل لا يخاف من الأسواق المالية ولا يتعامل معها باستخفاف، بل يفهمها ويعرف كيف يتعامل معها بوعي ومسؤولية. بالنسبة إلينا، تمكين الشباب لا يعني إعطاءهم إجابات جاهزة، بل إعطاءهم الأدوات التي تساعدهم على الوصول إلى الإجابات بأنفسهم. وهذا هو جوهر التعليم.

من هو جورج خوري؟

جورج خوري محلل مالي معتمد من هيئة الأوراق المالية والسلع (SCA)، وعضو منتسب في المعهد الملكي للأوراق المالية والاستثمار (CISI)، ويشغل حالياً منصب الرئيس العالمي للأبحاث والتعليم في مجموعة CFI Financial Group. تمتد خبرته عبر ثلاثة محاور متكاملة: التحليل المالي الميداني، وبناء برامج التعليم المالي، والتعليق الإعلامي المتخصص في قضايا الأسواق الدولية. يضعه هذا الجمع بين الاعتماد المهني والحضور الميداني والأثر التعليمي في موقع متميز داخل المشهد المالي العربي.

يُشارك جورج خوري بانتظام في البرامج الاقتصادية على قنوات CNBC Arabia، والعربية، وBloomberg Asharq وSky News Arabia وTRT World وتلفزيون دبي. تشمل مجالات تعليقه قرارات البنوك المركزية، وتحركات أسواق السلع والعملات، وتوجهات أسواق الأسهم الإقليمية والدولية. يتميز بقدرته على مخاطبة جمهور متنوع في آنٍ واحد: من المستثمر المؤسسي إلى المتداول الفردي، مما يجعله خياراً مناسباً للبرامج التي تستهدف قاعدة مشاهدة واسعة ومتعددة المستويات.

انضم إلى مجموعة CFI Financial Group عام 2021، وأسّس قسم الأبحاث والتعليم فيها من الصفر، متولياً تحديد مساره الاستراتيجي وبناء فريقه وتطوير منهجيته التشغيلية. يقدّم القسم اليوم أكثر من عشرة برامج تعليمية شهرية موزعة على عدة دول وبلغات متعددة. إضافة إلى ذلك، أطلق أكاديميةCFI ، وهي منصة تعليمية متكاملة تُقدّم محتوى منهجياً للمتداولين والمستثمرين على اختلاف ستويات خبرتهم.

قبل CFI، شغل مناصب قيادية في مجال التعليم المالي والبحث لدى شركة OXShare، كما شارك في تأسيس مجتمع التداول Bluepip ونظّم من خلاله ندوات تعليمية في الشرق الأوسط والمملكة المتحدة وأستراليا. وفي مرحلة أولى من مسيرته، عمل مصرفياً خاصاً في بنك BEMO في بيروت، حيث تولّى إدارة المحافظ الاستثمارية والتسهيلات الائتمانية. يعمل أيضاً كمحاضراً مشاركاً وخبيراً صناعياً في الجامعة الأمريكية في دبي، مُساهماً في تطوير مناهج التمويل وتدريسها. وقد أشرف خلال مسيرته على تدريب وتأهيل آلاف المتخصصين الماليين والمتداولين حول العالم.

إلى جانب مسيرته المهنية، يحمل جورج خوري شهادة مدرب شخصي معتمد، وهو ما يعكس اهتمامه الجاداً بالأداء البدني بوصفه امتداداً طبيعياً لمنهجيته في العمل. مارس رياضتي كرة اليد والسباحة تنافسياً خلال سنوات دراسته الجامعية. ويُعلن انحيازه الواضح لقضايا التثقيف المالي وتمكين الأفراد اقتصادياً، وهي قناعة تُفسّر كثيراً من خياراته المهنية وتوجهاته في بناء برامج التعليم التي يُشرف عليها.

جورج حائز على بكالوريوس العلوم في المصارف والتمويل من الجامعة الأمريكية للعلوم والتكنولوجيا، الشهادة الدولية في إدارة الثروات والاستثمار (CISI)، شهادات متخصصة في إدارة المحافظ وإدارة المخاطر من جامعة جنيف وفي خوارزميات التداول من المدرسة الهندية للأعمال، بالإضافة إلى اعتماد المحلل المالي من هيئة الأوراق المالية والسلع (SCA). فاز بمسابقة CFA Research Challenge المحلية في لبنان. (اعلان)