حدّد القرار 2790 نهاية عام 2026 موعداً لإنهاء عمليات اليونيفيل، على أن يبدأ بعدها خفض عديدها وانسحابها بصورة منظّمة وآمنة خلال سنة. وهذا يعني أن نهاية كانون الأول ليست موعد مغادرة جميع الجنود، بل بداية مرحلة انتقالية تنتهي معها المهمة بصيغتها الحالية. وفي المقابل، يدعو القرار إسرائيل إلى الانسحاب من الأراضي اللبنانية، لكنه لا يضع لهذا الانسحاب موعداً محدداً يقابل مهلة خروج القوة الدولية.
يفتح هذا التفاوت احتمالاً سياسياً يستحق الانتباه: أن يتحوّل الوقت إلى ضغط إضافي على لبنان. فالدولة التي تحتاج إلى تجهيز جيشها وتمويل انتشاره وترتيب الدعم الدولي، تعمل تحت سقف مهلة معلومة. أما إسرائيل، فإذا استمر وجودها العسكري، فقد تستفيد من تأخير الانسحاب، فيما تتزايد حاجة لبنان إلى اتفاق يضمن استمرارية الترتيبات الأمنية.
لا يكفي ذلك للجزم بوجود خطة لفرض تنازلات على بيروت. لكنه يكشف نقطة ضعف محتملة في التفاوض: كلما اقترب الموعد من دون تأمين انتقال قابل للتنفيذ، ارتفعت كلفة غياب الاتفاق على الجانب اللبناني. وعندها، قد تصبح صيغة كان يمكن مناقشتها بهدوء خياراً اضطرارياً يُقدَّم على أنه الحل المتاح لتجنّب تبعات الانسحاب.
وتظهر صعوبة الانتقال في الميدان نفسه. فقد قال قائد اليونيفيل ديوداتو أبانيارا، في حديث إلى “رويترز”، إن تسليم بعض المواقع إلى الجيش اللبناني قد يكون شديد الصعوبة، نظراً إلى وقوع أكثر من نصف مواقع القوة ضمن مناطق تسيطر عليها القوات الإسرائيلية. وشدّد على أهمية تأمين انتقال سلس للمهام قبل بدء الانسحاب.
تضع هذه المعطيات مسألة ترتيب الخطوات في صلب النقاش. فالانتشار اللبناني يحتاج إلى إمكان الوصول إلى المواقع والعمل فيها. وإذا تقدّم تقليص الحضور الدولي على إزالة العوائق أمام الجيش، فقد تُحمَّل الدولة مسؤولية أمنية لا تتوافر لها شروط تنفيذها. وهنا، يصبح السؤال عن الضمانات العملية التي تسبق الانسحاب الدولي، وعن الجهة التي تتحمل مسؤولية تعذّر تسليم المواقع.
وفي أي نقاش حول البديل، ينبغي التدقيق في العلاقة بين الدعم وشروطه. هل سيُؤمَّن التمويل والتجهيز وفق حاجات الجيش؟ وهل ستُربط المساعدة بترتيبات جديدة تتجاوز وظيفة القوة المغادرة؟ هذه أسئلة لا يمكن الإجابة عنها مسبقاً، لكن اقتراب المهلة يجعل طرحها ضرورياً قبل أن تتحوّل الحاجة العاجلة إلى مبرر لقبول صيغة لم تُدرس نتائجها.
فإذا عُرض حضور دولي بديل قبل أسابيع من انتهاء العمليات، قد ينحصر النقاش في قبوله أو مواجهة تبعات غيابه، بدلاً من بحث صلاحياته وعلاقته بالدولة وضمانات عمله. ويمكن لهذا الضغط أن يؤثر في هامش الاعتراض اللبناني، حتى من دون إعلان شروط صريحة: تكفي محدودية الخيارات وارتفاع كلفة التأخير لتغيير ميزان التفاوض.
يمكن قراءة المطالبة بإبقاء اليونيفيل كمحاولة للحفاظ على وقت تفاوضي يتيح للبنان مناقشة المرحلة المقبلة وشروطها. غير أن أي تمديد يحتاج بدوره إلى هدف واضح، حتى لا ينتهي إلى تأجيل المشكلة نفسها: انسحاب إسرائيلي قابل للتحقق، وانتشار للجيش قابل للتنفيذ، ودعم متاح في مواعيد معلومة.
تكمن المصلحة اللبنانية في تحويل المهلة إلى التزامات متقابلة يمكن قياس تنفيذها. فإذا كان على الحضور الدولي أن ينتهي في وقت محدد، ينبغي ألّا تبقى الخطوات التي تتيح للدولة تولّي مسؤولياتها رهينة انتظار مفتوح. فالسؤال الأهم يصبح: هل يصل لبنان إلى نهاية المهمة وقد تحسّنت قدرته على فرض سيادته، أم يصل إليها أكثر حاجة إلى تسوية، وأقل قدرة على التفاوض على شروطها؟
رحيل اليونيفيل… هل يتحوّل الوقت إلى ورقة ضغط على لبنان؟

يدخل موعد انتهاء مهمة اليونيفيل في حسابات التفاوض على مستقبل الجنوب، بما يتجاوز البحث عن قوة بديلة أو كيفية تسليم المواقع إلى الجيش. فحين تُحدَّد مهلة لخروج القوات الدولية، فيما يبقى الانسحاب الإسرائيلي من دون جدول زمني مماثل، فمن يملك ترف الانتظار، ومن سيُطلب منه اتخاذ قرارات قبل نفاد الوقت؟
ما رأيك؟
رائع0
لم يعجبني0
اعجبني0
غير راضي0
غير جيد0
لم افهم0
لا اهتم0










اترك ردك