رسائل إقليمية بـ”نكهة” جنوبية.. لماذا يبتعد الجميع عن الحرب الشاملة؟

لا يمكن فصل ما يجري في جنوب لبنان إلى مشاهد متفرّقة: ضربة هنا، موقف سياسي هناك، أو حديث عن تفاوض في مكان آخر. الصورة، في حقيقتها، مترابطة بشكل عضوي، حيث يقود كل تفصيل إلى الآخر ضمن سلسلة واحدة: الميدان يضغط، السياسة تضبط، والإقليم يحدّد السقف.

تبدأ القصة من نقطة أساسية: الجنوب ليس ساحة معزولة، كل تصعيد أو تهدئة يرتبط مباشرة بمسار أوسع، وتحديداً التفاوض الإيراني – الأميركي.
هذا الارتباط يفسّر لماذا لا يتجه الوضع إلى حرب شاملة، رغم حدّة المواجهات، ولماذا لا يثبت أيضاً عند هدنة مستقرة، لأن المطلوب ليس الحسم، بل تحسين الشروط.

من هنا، يمكن فهم طبيعة الاشتباك الدائر، الردود في الميدان ليست بهدف كسر إسرائيل عسكرياً، بل لمنعها من فرض واقع جديد يمكن تحويله إلى مكسب سياسي. أي أن كل عملية هي رسالة: “لا يمكنكم التقدّم بلا كلفة”.
وفي المقابل، تحاول إسرائيل تحقيق تقدم محدود، ليس بهدف تغيير المعادلة بالكامل، بل لصناعة “إنجاز قابل للتسويق” داخلياً وخارجياً.

هذه المعادلة تقودنا مباشرة إلى بنت جبيل، فالتركيز عليها لا يأتي من فراغ، فهي ليست مجرد نقطة جغرافية، بل رمز سياسي وعسكري. أي سيطرة عليها، حتى لو كانت محدودة، يمكن أن تتحول إلى ورقة تفاوض قوية. وهنا يصبح الميدان خادماً مباشراً للسياسة: من يربح صورة بنت جبيل، يربح جزءاً من رواية النصر.

لكن هذا الترابط بين الميدان والسياسة يصطدم بعقدة أساسية، توقيت التفاوض، وهنا يبرز موقف الرئيس نبيه بري الذي يرفض فتح باب التفاوض تحت النار. هذا الموقف هو محاولة لقطع الطريق على تحويل أي تقدم عسكري إسرائيلي إلى شرط سياسي مفروض.
بمعنى آخر، إذا بدأ التفاوض الآن، فإن نتائجه ستكون انعكاساً مباشراً للوقائع التي تصنعها الغارات والتقدم الميداني.

لذلك، تصبح المعادلة أكثر وضوحا، إسرائيل تضغط ميدانياً لتحسين شروطها،والطرف المقابل يردّ لضبط هذا التقدّم ومنعه من التحول إلى مكسب سياسي، بينما تحاول السياسة اللبنانية، عبر بري، تجميد المسار التفاوضي إلى حين وقف النار.

في الخلفية، يتحكم العامل الإقليمي بالسقف النهائي، إيران لا تدفع نحو حرب شاملة، لأنها لا تريد نسف مسار التفاوض مع الولايات المتحدة. لكنها في الوقت نفسه لا تسمح بهدوء كامل يُفقدها أوراق الضغط. النتيجة هي حالة وسطية: توتر مستمر، مضبوط الإيقاع.

هذا الترابط بين كل العناصر يفسّر لماذا يبدو المشهد متناقضاً ظاهرياً، تصعيد دون حرب، وهدوء دون استقرار.
لكنه في الواقع مشهد متماسك: كل طرف يتحرك ضمن حدود مرسومة، يضغط دون أن يكسر السقف.

وعليه، فإن ما يجري هو سلسلة أحداث مسار واحد ً، الميدان يصنع وقائع جزئية، هذه الوقائع تحاول إسرائيل تحويلها إلى شروط تفاوض، يُواجه ذلك بردّ ميداني مضاد لمنع تكريسه، وتتدخل السياسة لتأجيل التفاوض إلى لحظة أكثر توازناً، بينما يظل القرار النهائي رهناً بما ستؤول إليه المفاوضات الإقليمية.

إذا لبنان اليوم ليس أمام معركة عسكرية وعملية مترابطة لإنتاج شروط المرحلة المقبلة.
كل تفصيل في الميدان مرتبط بما سيُقال على الطاولة ً، وكل تأخير في التفاوض، هو محاولة لإعادة كتابة هذه الشروط قبل تثبيتها.